الهجرة النبوية ومشروع الدولة.

تاريخ النشر :

2019-09-04

التصنيف :

الفكر الحضاري

لم تكن قصة الهجرة أحداثا تاريخية مهمة  فحسب بل كانت ملحمة عظيمة غيرت مجرى الزمن من حيث أثرها في تاريخ البشر إذ صنعت دولة  أوقفت ظلم دولتين عظيمتين كانتا  مهيمنتين على العالم آنذاك هما دولة الفرس والروم،  وأنشأت حضارة بديلة لا تزال شاهدة على البشرية بإنسانيتها ونظمها ومنتجاتها ونقل منافع الحضارات القديمة التي كانت ستنطمس لو لا احتضانها وتطويرها من قبل المسلمين.                                                                       
إن الأمم التي تعجز على صناعة الحضارة تزول حتما، أو تندمج  في حضارات أمم أخرى، وحينما تندمج أمة ما في حضارة غيرها تصبح خصائصها الثقافية مجرد طبوع فلكلورية تتسلى بها الأمة المهيمنة و تشجع ظهورها لتتجمل بها فحسب، و ربما لتضيفها إلى معالمها السياحية لا غير.
إن قيام الدولة التي تحمل فكرة الإسلام أمر لا مناص منه لاستمرار أمة الإسلام، فقيام الدولة فعل أصيل دشنه المصطفى عليه الصلاة والسلام،  ولو لا الدولة لبقيت تعاليم الإسلام مجرد مواعظ وتوجيهات  يتبعها ضعفاء الناس في نطاق ضيق في جزيرة العرب ولما استطاع المسلمون أن يصلوا إلى جهات العالم الأربعة ولما صنعوا حضارة من أعظم الحضارات في التاريخ البشري. إن انتشار الدين بلا دولة يحوله إلى ملجأ للفقراء والمساكين يتصبرون به ويخففون به آلامهم ومآسيهم الحياتية، وربما ينظمون به شؤونهم الخاصة ضمن عزلة حمائية غير منتجة وسط غيرهم، وتكون الدولة في أيدي الأقوياء الأكثر جرأة على التحكم في ناصية الحياة، فيسير هؤلاء الناسَ بلا هداية من خالقهم ويفرضون حكمهم وفق معيارية بشرية قاصرة تنتج الظلم والقهر كما كان حال العالم مع الفرس والروم قبل دولة الإسلام، والاستعمار والاستغلال والحروب والصراعات والفقر  والأمراض والاعتداء على البيئة والمحيط كما هو الحال اليوم مع النظام الرأسمالي المادي الذي وصل إلى التحكم في كل دول العالم ، وكأنما فكرة نهاية التاريخ التي تنبأ بها فوكوياما تحققت على مستوى صراع الأفكار .

 

إن وصول رحمة الإسلام إلى الدولة ليست حاجة العرب والمسلمين فقط، بل البشرية بأسرها في حاجة إلى ذلك، غير أن تحقق النموذج الإسلامي الكفيل ببسط هذه الرحمة يتطلب طموحا لا يكسره وهن، وعلم لا يطفئه جهل، وبصيرة لا يفسدها هوى، واستشراف لا تتيه به الأوهام، وعمل لا يضعفه عجز أو كسل، وتضحيات لا يوقفها خوف أو طمع. ذلك هو نموذج الهجرة النبوية وكذلك يكون الاستئناف بحول الله.

 

حينما نتابع مسيرة الهجرة في إقامة دولة الإسلام نلحظ أن الفعل الذي حقق الإنجاز وأقام الدولة فعلان، فعل بشري مرتبط بما قام به المصطفى عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام عليهم الرضوان، كبشر مطالبين بالقيام بالأسباب على أحسن وجه، وفعل سنني ساقته أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية ودولية كبرى لا قبل للمسلمين بها التقت في سيرورتها المقدرة لها مع المسلمين حيث وجدتهم في المكان المناسب الذي وضعوا أنفسهم فيه.

أما عن الذي قام به المصطفى كنبي مكلف بالعمل فهو المعلوم عند المسلمين المطلعين على سيرته، حيث أعد رجاله في بيئة صعبة معقدة في مكة، وصدع فيها بما أمر وصبر على البلاء بكل أنواعه من أجل رسالته، ولم يكن ثمة في الكون بلد أحب إليه من مكة أراد إقامة دولة الإسلام فيه، غير أنه أدرك في الأخير بأن البيئة المحيطة بدعوته غير مناسبة لإقامة الدولة بين قومه الأقرب إليه. رغم كل التضحيات التي بذلها وصحبُه لم تتغير موازين القوة، بقي كبّار قريش مسيطرين على مصائر أغلب الناس، يتحكمون في الأرض والمال والتجارة والحرف والجاه والأنساب والتاريخ والتقاليد. لم يقبل الرسول المصطفى أن يكون مثل أولئك الموحدين كقس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم، الذين بقوا في مكة على الديانة الحنيفية الإبراهيمية يتجنبون الأوثان وأفعال المشركين دون أن يكون لهم مشروع يُدين الوضع القائم ويعمل على تغييره. لم يشأ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مثل هؤلاء الحنيفيين، تبتلعهم المنظومة المهيمنة الظالمة، فلا تجزع لخصوصيتهم، بل قد تجعلها من الغرائب التي تطرب بها. لقد كُلف رسول الله بتبليغ رسالته للناس وأن لا يخشى في ذلك لومة لائم وفق قوله تعالى في سورة المائدة: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ67 )(، بل أمره أن يحكم بينهم بما أنزله عليه وفق قوله تعالى: ((وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49))، وامتثالا لأمر الله لم يشأ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن يجعل الدين قضية شخصية ثم لا يهمه أين  تتجه الحياة. 

حينما أدرك رسول الله بأن موازين القوة في مكة، في ذلك الوقت، لا تسمح بإقامة دولة الإسلام، وباعتبار أنه نبي مرسل للناس أجمعين أخذ يبحث عن غيرهم ممن يمكن أن ينصره من القبائل العربية خارج مكة فذهب إلى الطائف على الأقدام متخفيا عن زعماء قريش يراود زعماء ثقيف ويدعوهم واحدا واحدا ليحتضنوا فكرته ودعوته فأعرضوا عنه وأغروا غلمانهم لضربه بالحجارة حتى لجأ إلى بستان تضرع فيه إلى الله تلك الضراعة المشهورة التي اهتزت لها السماء كما روي في الحديث : ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ..))، ورغم نكسة الطائف لم ييأس بل عرض نفسه على عديد القبائل، في مساكنهم وفي الحج وفي أسواقهم المشهورة، منهم بنو عباس وبنو سليم وغسان وبنو محارب وبنو نضر ومحارب ومرة وعذرة والحضارمة  فلم يجيبوه، وفي بحث تفاصيل ردود زعماء القبائل نجد دروسا كثيرة: منهم الانتهازي الذي قال له ننظر حتى نرى أمرك مع قومك، ومنهم الطموح الذي لا شأن له بالفكرة والرسالة و لا همّ له إلا المصلحة فطلبوا منه أن يكون لهم الحكم من بعده، ومنهم الذين قالوا نحميك من الناس إلا من الفرس، ومنهم من صدّ عنه ولكنه ندم بعد أن انتصر الإسلام بعد وفاة المصطفى واتسعت رقعته فقال: يا ليتني اتبعت محمدا في بادئ الأمر.   

ومن بين تلك القبائل كلها أكرم الله أهل يثرب إذ صنع لهم ظروفا جعلت شبابهم يبحثون عن مشروع جديد يحل أزمة عميقة كانوا يعيشونها. التقى رسول الله في الحج الموافق للسنة الثانية عشر بعد البعثة ستة رجال من الخزرج بادرهم بالحديث عن علاقتهم باليهود ثم عرض عليهم الإسلام فأسلموا وعادوا إلى قومهم يبشرون بالنبي الجديد، وفي السنة الموالية أقبل اثنا عشر رجلا، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس بايعوه في مكان اسمه العقبة بمنى وتلك هي بيعة العقبة الأولى ونصها كما رواها عبادة بن الصامت كالآتي: “بايَعنَا رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الأُولَى عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا نَأْتِيهِ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلا نَعْصِهِ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ” وهي بيعةٌ موافقة لبيعة النساء كما وردت بعد ذلك في القرآن الكريم. ثم أرسل المصطفى مع الوفد صهيب الرومي ليعلم المسلمين الجدد دينهم وليساعدهم في نشر الإسلام في أهلهم فلم يبق بيت في يثرب إلاّ دخلها الإسلام، وفي السنة الموالية أقبل وفد من ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين فبايعوا بيعة العقبة الثانية، وكان أول من بايع أصغرهم سنا في رسالة واضحة للدور الأساسي للشباب في الهجرة النبوية كما سنرى أدناه، وكان نص البيعة وفق ما ذكره عبادة رضي الله عنه: ((دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)).

ولئن كان أمر في الفقه السياسي نستشفه في الفرق بين نص البيعتين أن المشروع الذي كان يسعى إليه رسول الله في المدينة هو بناء الدولة، إذ جل ما في النص الأول متعلق بالعقيدة والأخلاق وأما النص الثاني فكله في موضوع القيادة والسمع والطاعة وعدم التنازع على الحكم حين يؤول إلى أهله، مع الحق في الاعتراض إذا ما انخرم ما من أجله تمت البيعة وهو الكفر البيّن بالإسلام، وكان النص الأول موافقا لبيعة النساء التي ثبتت بالقرآن الكريم بعد فتح مكة إذ النساء غير مكلفات بالجهاد في عمومهن، إلا من تميز منهن فلا أحد يملك منعهن من الاشتغال بالشأن العام، وعددهن قليل كتلك المرأتين اللتين شهدتا بيعة العقبة الثانية. 

حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط لبناء الدولة في المدينة كان الأذى يتعاظم في حق المسلمين من قبل المشركين في مكة، وما إن أصبح للمسلمين دار مقام في يثرب حتى بدأ يوجه أصحابه للهجرة بوحي من الله تعالى الذي رفع بها مقام المهاجرين والأنصار كليهما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. 74))، وحينما أذن الله له باللحاق بدار الإسلام الحصينة التي بناها بتخطيط محكم على سنوات انتقل من مكة إلى يثرب وفق خطة استراتيجية من أعظم الخطط التي عرفها التاريخ، ومن أعظم الدلائل التي تدل على أنه منتقل لبناء دولة لا تحدها حدود القبائل العربية فقط بل دولة عالمية تحمل مشروعا عادلا يهدّ عروش الأكاسرة ، وعدُه لسراقة بن مالك الذي لحق به ضمن حملة القريشيين لتوقيف مساره، بأنه سيلبس أساور كسرى ! 

حين وصل رسول الله يثرب تصرف كرئيس دولة فصار اسم يثرب ((المدينة))، ضمن رسالة مفادها أن العهد الجديد ليس عهد البداوة و الصراع القبلي على القوافل والكلأ والجاه الذي لا يتعدى التفاخر بالأنساب والأجداد والثأر للأهل والأقارب في الحق والباطل، وإنما هو عهد المدنية والحقوق والمواثيق والقوانين التي تقوم على القيم والحق والعدل، فبنى على الفور قاعدة الانطلاق لإقامة المجتمع الجديد ببناء المسجد كمؤسسة دعوية تربوية علمية اجتماعية سياسية ثقافية، وعالج البعد الاجتماعي التضامني بالمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، وعالج منظومة العلاقات مع غير المسلمين بترسيخ مفهوم المواطنة وفق ما سمي لاحقا بوثيقة المدينة، وعالج بعد ذلك البعد الاقتصادي بتشييد سوق جديدة على المعايير الجديدة كبديل للسوق التقليدية التي يهيمن عليها اليهود دون أن ينهي وجود هذه الأخيرة، وعالج البعد الدولي ببعثاته لملوك الدنيا آنذاك، ثم على أساس هذه القواعد تطورت مدينة رسول الله بالبناء والتشييد التراكمي في بيئة السلم في أغلب الأحيان وبالحرب عند الاقتضاء.

كل هذا الذي قام به رسول الله كان من منطلق القيام بالواجب الذي أُمِر به، ولكن هل هذا الذي قام به هو وحده الذي مكنه من تحقيق أهدافه في بناء دولة عصرية صنعت حضارة عالمية خالدة؟ بكل تأكيد لا، وللتأكد من ذلك يجب عدم الاكتفاء بقراءة السيرة النبوية بالطريقة التقليدية التي تغرق في الغيبيات دون فهم دور السنن الاجتماعية في نصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. إننا حينما نتأمل في الأحداث التي رافقت الدولة الإسلامية الأولى سيتأكد لدينا بأنه لا غرائب في التاريخ الإسلامي وإنما هي رؤية وتبصر وتخطيط واستشراف وفهم للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية والقيام بالواجب الذي يتوافق مع تلك التحولات فيتحقق بهذا وذاك النصر إذ التقيا وتناغما، ومن فَهِمالسيرة النبوية على ذلك المنوال سيدرك بأن تكرارها على هدي المصطفى ممكن في أي زمن من الأزمنة وفي أي مكان من الأمكنة.

إن تلك العبارات التي قالها شباب الخزرج حين عرض عليهم النبي الأكرم الإسلام لها دلالات عميقة على واقع كان قائما في يثرب أهلها لاستقبال الإسلام. لقد تحدث الستة، وفق ما جاء في جميع كتب السير، عن أزمتين كانوا يعيشانها في المدينة، الأولى  تتعلق بتهديد مستقبلي من جيرانهم اليهود آنذاك إذ قالوا لبعضهم بعضا: “تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا” والثانية تتعلق بوضع كان سائدا مرتبط بحرب أهلة طاحنة بينهم وببين الأوس بني عمومتهم إذ طمعوا أن يكون النبي الجديد سبب الصلح بينهم فقالوا له : “‏ إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزُّ منك‏”.‏

لقد كانت الحروب بين الأوس والخزرج في المدينة قبل الهجرة دائمة لا تتوقف منذ أكثر من مائة وعشرين سنة يذكّيها اليهود بشكل منهجي حتى لا يجتمع عليهم عرب يثرب فيبقوا مهيمنين على الأراضي الأكثر خصوبة وعلى السوق وحركة الأموال وإثقال كاهل المتقاتلين بالديون الربوية. وقبل سنوات قليلة من الهجرة اندلعت حرب بعاث بين الأوس والخزرج وكانت الحرب الأكثر فداحة بين الحيّين، ويعود سببها أن الخزرج علموا أن بني قريظة وبني النضير يستعدون لإبرام حلف مع الأوس ضدهم فهددوهم، ثم تطورت الأحداث إلى أن قرر الخزرج اغتنام الفرصة لحل مشكلتهم الاقتصادية بإجلاء اليهود من المنطقة وإنهاء سيطرة هؤلاء على الأراضي الخصبة في يثرب فألقى اليهود بكل ثقلهم في حرب بعاث مع الأوس فكانت هزيمة الخزرج فادحة كادت تقضى عليهم قاطبة لو لا أن الأوس رفضوا مطاوعة اليهود في اللحاق بفلول الخزرج لإبادتهم بقولتهم الشهيرة: ” يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب” و كانوا يقصدون بالثعالب اليهود. 

كان للبعدين الاقتصادي والديمغرافي أثر كبير في اندلاع حرب بعاث، كان الخزرج الأكثر عددا وشدة وغلظة يسكنون مناطق قاحلة، والأوس في أعالي يثرب في أراض أحسن، واليهود المتحصنون في حصون منيعة يستولون على جل الأراضي الخصبة ذات الخضرة والوفرة المائية، وكانت أغلب الحروب بين القبيلتين لصالح الخزرج إلى أن كانت بعاث فخسرها هؤلاء وكادت تبيدهم لو لا عطف بني عمومتهم الأوسيين. كانت شرارة انفجار بعاث الصراع على الأراضي الخصبة حيث طمع الخزرج في معاقبة اليهود المتحالفين مع الأوس بإجلائهم وأخذ الأراضي الرغيدة التي بحوزتهم، غير أن تحالف اليهود، أصحاب المال والحصون والسلاح الوفير، مع الأوس غيرت الموازين ونتيجة الوقيعة الأخيرة. كانت الغلبة في البداية لصالح الخزرج فقتل خلق كثير من زعماء الأوس، غير أن شعور الأوس بخطر الفناء وسند اليهود جعلهم يثبتون ثم يكرون فانكسرت هجمة الخزرج وانقلب المد ضدهم فوقعت مقتلة كبيرة فيهم وأثخنت السيوف في رؤسائهم.

كان الخزرج قبل يوم بعاث يعتقدون أنهم الأولى بالمدينة فهم الأكثر عددا وهم أصحاب المآثر في الحد من نفوذ اليهود، ومع ذلك بقوا الأقل حظا من بين سكان يثرب، وكان الأوس في تأهب دائم للمواجهة والبحث عن الحلفاء من المدينة وخارجها لقلة عددهم، وكان اليهود في تخطيط مستمر لتشتيت القبائل العربية وإشعال الحروب بين الأوس والخزرج وإمداد الطرفين بالسلاح والقروض الربوية وتوزيع تحالفاتهم على القبيلتين لاستدامة نفوذهم. غير أن نتائج حرب بعاث أحدثت تحولات نفسية وفكرية عميقة عند الحيين من العرب، خصوصا عند شبابهم، أما الأوس فقد كرهوا الحرب المهددة لكيانهم دوما، وسئموا البحث الدائم عن الحلفاء ليقدروا على مواجهة بني عمومتهم، ولعل صوت رسول الله بقي حاضرا عند من كلمه منهم حين أقبلوا على مكة في وفد قبل يوم بعاث يلتمسون الحلف من قريش حيث قال لهم عليه الصلاة والسلام: “هل لكم في خير مما جئتم له” فقالوا وما ذاك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب”، وأما الخزرج فقد جعلتهم الهزيمة المدمرة أكثر عقلانية فأخذوا يبحثون عن أي وسيلة للصلح مع إخوانهم من الأوس، كما أن عداء اليهود الدفين الذي انفجر عند انكسار الخزرج بملاحقتهم وهم منهزمين جعل قبيلتي الخزرج والأوس كلاهما تنتبهان إلى خطر ” الثعالب” على الجميع.

لقد أدت كل هذه التحولات إلى التفكير في وحدة نهائية وبناء ملك عربي يثربي يتوجون له واحدا ممن بقي من زعمائهم. كانت التحولات تتجه في الظاهر كلها لصالح عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، فقد كان كارها للحرب قبل اندلاعها، نهى قومه عنها كما نهاهم عن مخاصمة اليهود، ولما لم يبق من كبار القوم غيرهم اجتمع لتتويجه الخزرج، الذين كان منهم وكان قد نصحهم وحذرهم من الهزيمة فلم يسمعوه، والأوس الذين حفظوا له بقاءه على الحياد وعدم مشاركته في قتالهم، وكان ذلك أول مرة في تاريخ يثرب يتفق فيها الأوس والخزرج على زعيم واحد يتوجونه. غير أن باطن التحولات كانت قد أخذت وجهة أخرى نحو الرسالة الجديدة وصاحبها محمد صلى الله عليه وسلم، فضاعت الفرصة على عبد الله بن أبي بن سلول وتحول إلى رأس المنافقين حين تمكن الإسلام في المدينة بعد ذلك. 

حينما هلك كبار القوم في الحرب أخذ الشباب زمام الأمور فرأوا أن تتويج عبد الله بن أبي بن سلول هو عودة للنظام القديم الذي أنتج كل مآسيهم وأنه لا بد من تغيير المنظومة كلها، وها هي الرسالة المحمدية تعرض ذلك على شباب الأوس والخزرج، وكان شباب الخزرج المنهزم قومهم هم الأكثر اهتماما بالبحث عن نظام جديد يقوم على التوحيد ومكارم الأخلاق والأخوة الإسلامية ونبذ الجاهلية وتفاخرها بالأجداد والأنساب، فكان عدد المبايعين في العقبة الأولى والثانية أكثرهم من الخزرج، ومعهم نفر من قادة وزعماء الأوس وعقلائهم، وكانت نية الطرفين الصلح الأبدي الذي أنهى الحروب بينهما إلى الأبد وجعلهم أنصار الله ورسوله ودعوة الإسلام، أولئك الذين آووا المهاجرين ونصروا الإسلام وأضحوا من قادة الأمة الإسلامية الجديدة وأفاضلها وأقربها إلى الله. 

إن كل تلك التحولات التي وقعت في يثرب ثلاث سنوات قبل الهجرة في أصح الروايات عند ابن حجر العسقلاني لم يكن لرسول الله فيها يد وإنما كان يرقبها ويتابعها ليحولها إلى فرصة يهتبلها، كما أن ما كان يقوم به رسول الله في مكة لم يكن يعني أهل يثرب في شيء سوى أن نفرا من الشباب رأوا وهم في حالة إحباط بعد الحرب أن دعوة محمد الهاشمي القرشي فرصة لهم لوقف مآسيهم وجمع شملهم، فكان التقاء قدر الله بقدر الله، وارتباط نسمة خير من يثرب بقبس من نور من مكة. ما كان لرسول الله أن يقيم دولة في المدينة لو لا تلك التحولات السننية العظيمة في يثرب، وما كان لتلك التحولات أن تصنع الدولة الرسالية القرآنية لو لم يبذل صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام ما يلزم من استشراف وتخطيط وفعل واتصال وتضحية   لكي يلتقي بتلك التحولات ونتائجها في يثرب.

إن صناعة التاريخ هي دائما التقاء جهد بفرصة، واتصال سنة اجتماعية بأقوام وضعوا أنفسهم في المكان المناسب، وهذا الذي حدث لإقامة دولة الإسلام الأولى تكرر عدة مرات لتوسيع تلك الدولة حتى بلغت الآفاق، من ذلك أن التضحيات العظيمة في فتوحات العراق أسقطت الإمبراطورية الفارسية التي كانت تترنح، ولم يؤخذ من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية إلا أجزاء منها رغم أضعاف التضحيات عبر السنوات لأنها كانت منيعة حصينة، وحينما سقطت قرونا بعد ذلك، في القرن الخامس عشر الميلادي، كانت في ذلك الوقت معزولة ضعيفة لم تضمن بقاء عاصمتها القسطنطينية إلا بتحصيناتها المنيعة إلى أن جاء الشاب محمد الفاتح فبذل لها ما يلزم للالتقاء بقدر فتحها من الجهد والتخطيط والإبداع والصبر  التضحية، وهكذا ستبقى طرائق النصر والتمكين وقواعدها: لا إنجاز إلا بالتقاء الفرصة بما يلزم من العمل، وتحالف السنن الكونية والاجتماعية بما يبذله المجدون من التضحيات المناسبة للالتقاء بها. فكم من جِدّ لم تتح له فرصة، وكم من فرصة ضاعت إذ لم تجد من يهتبلها. 

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية