رحمك الله أخي جمال: رمز للزهد والكفاءة والوفاء ترجّل.

تاريخ النشر :

2025-10-25

التصنيف :

عظماء عرفتهم

لو حسبت الإخوة العشرة الأقرب إليّ ممن عرفتهم في ساحة الدعوة والعمل السياسي لكان جمال من أوائلهم. إنه من الرجال القليلين الذين بقوا كمعدن الذهب لم يتغير ولم يتبدل، بل كلما مر الزمن زادت قيمته.

إنه الأخ العزيز جمال محمد لقرع رحمه الله رحمة واسعة.

لقد توفاه الله في سن التاسعة والستين بعد مرض عضال ألم به، عاش مع زوجة فاضلة من الدعاة المربيات في البلدة، أخذ الله قبل سنوات ولدا من أولاده الثلاثة، كان آية في الطيبة والجمال، فكان المصاب جللا، وبقي بعده ابنه الأكبر الدكتور أسامة طبيبا متخصصا في ألمانيا، وابنة كريمة متزوجة في المسيلة، أسأل الله تعالى أن يرحمه رحمة واسعة وأن يرزق زوجته وولديه وأحفاده المتعلقين به كثيرا الصبر والسلوان.

عُرف أخي جمال رحمه الله بذكائه الشديد ونبوغه بين أقرانه منذ طفولته، فحصل على شهادة الباكلوريا في بداية السبعينات قبل الأوان، وتفوق في دراسته في المعهد الوطني للأشغال العمومية.

وأثناء خدمته الوطنية كلف بمهام كبيرة لكفاءته ونزاهته، فأسند إليه الإشراف على مدرج الطيران العسكري في تمنراست وعهد إليه الإشراف على الطريق العابر للصحراء في الجزء التابع لولاية تمنراست. وبعد خروجه من الخدمة الوطنية تقلد منصب المدير الولائي للتعمير فنال شهرة كبيرة في الإدارة المحلية.

وفي حياته النضالية اشتغل أثناء دراسته الجامعية في لجان التطوع الطلابية في زمن الحزب الواحد، وبعد أن تعرف على الحركة الإسلامية في منتصف الثمانينيات في ولاية المسيلة ارتقى إلى مستوى الريادة بكفاءته وذكائه ورجاحة عقله وسمو أخلاقه وتجرده ونضاله، فكان رئيس أول جمعية ولائية تأسست فورا بعد صدور قانون الجمعيات عام 1988 وهي “الجمعية الولائية للتربية والتكافل الاجتماعي” التي كانت الواجهة الرسمية الأولى للتنظيم الدعوي بالمسيلة قبل تأسيس “جمعية الإصلاح والإرشاد الوطنية” والتي اشتغل فيها رجال أفاضل من جيل المؤسسين أمثال الشيخ محمد مخلوفي، الأستاذ يوسف موسود رحمه الله، الشيخ عبد الله نور، الشيخ الحاج بوساق (ابن عم الشيخ أحمد بوساق)، اشتهرت هذه الجمعية ونالت التقدير والاحترام عند عموم الناس وأعيان البلدة والسلطات المحلية، ومن أفضل ما اشتهرت به خدماتها الاجتماعية ومساهماتها الثقافية، وخصوصا “جلسات إصلاح ذات البين” التي بات القضاء المحلي يستعين بها لما نالته الجمعية من مصداقية وما حققته من نتائج مشهودة كثيرة مستعصية. وبعد أن تأسست جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية تراجع أداء الجمعية الولائية وتم تحويل مقراتها إلى جمعية الإرشاد عبر إجراءات قانونية كان الأستاذ جمال ممن أشرف علي القيام بها.

انخرط أخونا جمال محمد الأقرع انخراطا كاملا في النضال الحزبي بعد تأسيس الحزب فكان أول رئيس مكتب ولائي عام 1991 للواجهة الحزبية قبل الإدماج ولم يفكر أبدا بأنه يغامر بطموحاته الشخصية وبالمكانة العالية التي كان يتمتع بها عند السلطات المحلية المدنية والعسكرية، ولم يكن له من طموح في ذلك رحمه الله إلا الوفاء لرسالته الدعوية وخدمة بلده، فلم يقبل في أي محطة من المحطات الانتخابية أن ينافس على الترشح للبرلمان أو المجالس المحلية رغم بروز اسمه في طليعة المرشحين في مجالس التداول والقرار بالحركة ولائيا وإلحاح القادة والمناضلين عليه وإصرار الأعيان العارفين بقيمته عند كل استحقاق انتخابي.

ومن دلائل صدق زهده أنه كان هو السند التقني الخلفي لكل منتخبي الحركة، فكان رحمه الله هو ركيزة لجنة المرافقة التقنية، مع أخيه ورفيقه وصديقه إسماعيل ميمون، التي كانت تسندني أثناء أداء مهمتي النيابية بين 1997-2007 وهي سر نجاحي في متابعة قضايا التنمية المحلية وما نلته من مكانة عند رؤساء الحكومات والوزراء والولاة والمدراء التنفيذيين### الذين تجاوبوا معي كثيرا لنضج الملفات التي كان الأخوان جمال وإسماعيل يساهمان في إعدادها لي مساهمة أساسية. ثم واصل نفس المهمة مع نواب آخرين من بعدي ومع المنتخبين المحليين الذين تداولوا على المجالس المحلية، ولم تكن ثمة قضية في هذا الشأن يحضرها جمال رحمه الله وتبقى مستعصية.

لم تكن المعارف والمهارات التقنية هي وحدها ميزة جمال رحمه الله، بل كانت خصيصته الأساسية مهاراته القيادية، التي كانت تؤهله ليكون قائداً وطنيا لا يشق له غبار، ولكن بسبب زهده المعتاد في الظهور كان دائما يضع نفسه في المراتب الثانية وراء إخوانه، فتقلد مسؤولية نائب رئيس المكتب البلدي لبلدية المسيلة وراء أخيه إسماعيل ميمون ثم وراء أخيه عبد الرشيد ميرة، ثم نائب رئيس المكتب الولائي وراء أخيه صالح نور، وكان في كل ذلك لا يُقضى أمر مهم دون أن يكون حاضرا فيه، فكان يسمى “الحكيم” و”المخ” وغير ذلك من ألقاب التقدير الصادقة. وكنت كلما حاولت أن أؤهله لمناصب ادارية وحكومية مركزية، أو مهام قيادية تنظيمية وطنية يرفض رفضا قاطعا فلا يترك لي أي مجال للإلحاح.

كان بإمكان جمال محمد لقرع رحمه أن يكون مقاولا من أكبر المقاولين في البلد عبر شركته “أثير” في الدراسات والإنجاز التي جمع فيها من أكفأ وأنزه المهندسين والتقنيين في المسيلة، ورغم نجاحاته في مشاريع كبرى ولائية وجهوية ووطنية بقي مقاولا مكتفيا بالكفاف بسبب تفشي الرشوة والفساد والمنافسة غير العادلة التي سيطرت عليها الرداءة التي تسببت في كوارث كان هو وشركاؤه وأعوانه من الشهود التقنيين عليها.

أدرك أخي العزيز جمال محمد لقرع رحمه مبكرا فساد العملية السياسية في الجزائر فابتعد في السنوات الأخيرة عن الاهتمام بالشأن الحزبي والتنظيمي، وكان من الشخصيات الملهمة التي قادتني إلى نفس النتيجة لاحقا، التي مفادها عدم الرهان على التغيير المنشود الذي ينهض بالبلد من داخل النظام السياسي، والتركيز على العمل الشعبي والاستثمار في المجتمع، إذ كان حريصا عليّ أن لا أضيع وقتي وقدراتي كثيرا في مسار المشاركة السياسية في ظل الموازين السياسية القائمة، وأن أركز على العمل الاستراتيجي، وكان من الداعمين لي في هذا المجال، ورغم كبر سنه تطوع من تلقاء نفسه أن يرعى أكاديمية جيل الترجيح الشبابية بالمسيلة بنفسه، التي كان ابنه دكتور أسامة – شبهه في الأخلاق الذكاء والتفوق الدراسي – أحد خريجيها.

رغم صرامة أخي جمال وصراحته في التعبير عن رأيه كان من ألطف الناس، وأرفق الناس، وأرحم الناس، لا يأتيك منه سوء أبدا، ولا يعكر صفوك في كل الأحوال مطلقا، لا يقول إلا خيرا. لقد كان رحمه الله نبعا للخير، لا يصدر عنه إلا ما ينفع، اتصف بأخلاق جليلة على رأسها الصدق والرجولة والشهامة والوفاء والمروءة، استطاع أن يجذب إليه حب وتقدير واحترام إخوانه، حتى بات محل إجماع بيننا رحمه الله رحمة واسعا.

لم يكن جمال رحمه الله هو وحده القريب إليّ، بل كانت المودة بيننا عائلية، فزوجته المربية الداعية القدوة صديقة زوجتي، وابنه الدكتور الطبيب أسامة من أقرب الأصدقاء إلى أبنائي، كبروا جميعا معا في بيتَينا، ولذلك المصيبة مصيبة العائلة كلها، فالله أسأله أن يرحم أخي جمال رحمة واسعة وأن يصبّرنا جميعا على فقده وأن نكون معا جميعا على سرر متقابلين في الفردوس الأعلى.

اللهم آمين

د. عبد الرزاق مقري.

 

 

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية