توصل صناع القرار في أمريكا في بداية القرن بأن قادة بلدهم ضيعوا وقتا طويلا وثمينا في الشرق الأوسط، عبر حروب طويلة في العراق وأفغانستان بحجة وقف انتشار السلاح النووي ومحاربة الإرهاب، تسببت في كلف اقتصادية عالية وخسائر معنوية شديدة، وارتفاع مشاعر العداء ضد الولايات الأمريكية المتحدة، وتأخر كبير في وتيرة الابتكارات العلمية والنمو الاقتصادي.
وفي ذلك الوقت كانت الصين تحقق طفرات تاريخيّة في النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، وفي الهياكل القاعدية عبر مشاريع الطريق والحرير. لقد كانت كالماء الهادئ المكتسح لكل الحدود بما يحمله من بضائع في كل المجالات، تصنع من خلاله صداقات الربح المشترك عند كل الشعوب، ولدى حلفاء أمريكا، في أوربا وأستراليا وكندا وأفريقيا وآسيا الوسطى والعالم العربي. لم تخف الصين طموحها بأنها تسعى لتكون القوة الاقتصادية الأولى في 2030 وربما القوة العسكرية الأولى في 2040، وتدفع مع قوى صاعدة أخرى نحو عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه أمريكا سوى قوة دولية ضمن قوى أخرى مكافئة.
فهمت الولايات الأمريكية المتحدة بأنها تتجه نحو فقدان مكانتها كقوة دولية متفردة بالسيطرة في العالم، وأنها لن تستطيع تحقيق مصالحها بالقوة والإكراه والابتزاز، وأنه عليها أن تتقبل بروز عالم جديد يقوم على الاتفاقيات والمعاهدات، والمفاوضات بالندية مع الدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين، وأن تأثيرها الحصري على الحلفاء والدول التابعة سيتراجع وربما ينتهي. أي نهاية العهد الأمريكي.
كانت الخطة لتجنب ذلك أن تتخفف الولايات الأمريكية المتحدة من أعباء الشرق الأوسط بالتقريب بين حلفائها العرب والإسرائليين، عبر تسريع وتيرة التطبيع، وتحويلها إلى “اتفاقيات إبراهيمية” تكون فيها القيادة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية للكيان الصهيونى، ويتفق الجميع على تصفية القضية الفلسطينية في مقابل ازدهارٍ موهوم للشرق الأوسط تُثبَّت فيه عروش الحكام وينعم الناس ب”العيش الرغيد!”، وكان معيار نجاح الخطة أن تلتحق المملكة العربية السعودية بركب الاتفاقيات الإبراهيمية.
وعندئذ تنتقل الولايات الأمريكية المتحدة إلى مواجهة الصين وروسيا عبر مجموعة من الخطط منها:
أولا – بخصوص الصين.
– رفع مستوى الإنفاق على البحث العلمي، بمقتضى قانون الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act) الذي صوّت عليه عام 2022 بالإجماع الديمقراطيون والجمهوريون. وهو قانون سمي عند بعض السياسيين الأمريكيين بقانون الصين” باعتبار أن المقصود منه مواجهة الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والروبوتات، واستعادة الريادة الأمريكية في تصنيع الرقائق التي انخفضت حصتها عالميا من 40 ٪ في 1990 إلى حوالي 10 ٪ قبل صدور القانون، ومن حيث أن التدبير تدبير اشتراكي خصص له 280 مليار دولار أمريكي كتمويل حكومي لا ينسجم مع التوجهات الرأسمالية الأمريكية.
– تطويق الصين بسلسلة تحالفات من كل الاتجاهات، فعلاوة على النفوذ الأمريكي المتصاعد في تايوان وبيع الأسلحة لحكومتها خلافا للتفاهمات الصينية الأمريكية وفق مبدأ الصين الواحدة، شكلت وطورت الولايات الأمريكية المتحدة تحالفاتها لاحتواء النفوذ البحري الصيني. فشكلت “حلف أوكوس” عام 2021 مع المملكة المتحدة وأستراليا لإنشاء أسطول غواصات تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادي. ومتنت التحالف مع كوريا الجنوبية واليابان، حيث حولته من حلف ثنائي إلى حلف ثلاثي عام 2023 عبر تكثيف وجود المعدات العسكرية الأمريكية، والمناورات العسكرية الدورية، في منطقة المحيط الهادي والهندي وجنوب بحر الصين. وعزّزت تحالفاتها في جنوب شرق آسيا بتفعيل معاهدة الدفاع المشترك مع الفلبين وتطويرها إلى “اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز” عام 2014، وتطوير العلاقات الجيدة مع فييتنام إلى “شراكة استراتيجية” كاملة عام 2023، علاوة على العلاقات الأمنية مع أندنوسيا لتعزيز الأمن البحري وتحديث الدفاع.
– العمل على عزل روسيا عن الصين، ومحاولات تعطيل المد الصيني في أفريقيا واسيا وأوروبا، وفي العالم العربي، بالضغط والإغراء وصناعة الأزمات.
ثانيا – بخصوص روسيا.
حاولت الولايات الأمريكية المتحدة احتواء روسيا بسياسة تمدد الحلف الأطلسي في أوربا الشرقية، وتعزيز نفوذها واتفاقياتها الثنائية مع الدول التي كانت سابقا ضمن المعسكر الاشتراكي، كما عمّقت نفوذها في آسيا الوسطى عبر ما يسمى “دبلوماسية الصفقات” والاستثمارات الاقتصادية والأمنية لمحاولة عزل روسيا، وتقليص نفوذ الصين في منطقة “القلب الأوراسي”، من خلال استثمارات ضخمة (12,2 مليار دولار) في البنية التحتية والطيران، وعقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع دول المنطقة ( كازخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجكستان، تركمنستان ).
سعت أوروبا، بتدبير ألماني، إلى إدماج روسيا في الفضاء الأوربي من خلال ما سمي عقيدة “السلام الاقتصادي” (Wandel durch Handel)، التي تقضي بدمج الاقتصاد الروسي بالاقتصاد الأوربي عبر الاستفادة من توريد الطاقة الروسية الرخيصة مقابل التكنولوجيا والاستثمار وحرية التنقل، ولكن الولايات الأمريكية المتحدة أفسدت هذه الرؤية بالتسبب بالحرب الروسية الأوكرانية عبر سياسات التمدد للحلف الأطلسي شرقا والتمركز الاستخباراتي في أوكرانيا، التي لم تصبح روسيا بوتين تتحملها.
وفي ظل هذه الحرب ترسّخ الوجود الأمريكي في الدول القريبة من الحدود الغربية الروسية، حيث تم نشر حامية عسكرية دائمة في بولندا – شريك الولايات المتحدة الأساسي في المنطقة – وفيلق إضافي في رومانيا، ونشر آلاف الجنود في ما يسمى الجناح الشرقي الأوربي ( رومانيا، ليتوانيا، لاتفيا، وإستونيا).
ومع رجوع ترمب حاول اعتماد أسلوب التفاهم الثنائي الأمريكي الروسي، والميل نحو إمكانية الاعتراف بالسيادة الروسية على إقليم دونباس، كطريق محفوف بالمخاطر، لإبعاد روسيا عن الصين.
لم تنجح هذه السياسيات في الحد من الصعود السريع والقوي للصين، فلم ينفع صندوق ” قانون الرقائق والعلوم” في اللحاق بالنمو العلمي والتنولوجي الصيني، ولم تنجح التحالفات والشراكات والاستثمارات الأمريكية، في الحد من النفوذ الصيني، إذ ظلت الصين تُقدم للدول أفضل ما تقدمه الولايات الأمريكية المتحدة على مختلف الأصعدة دون ابتزاز ولا مطالبات سوى الاستثمار، والهياكل القاعدية، والمبادلات الاقتصادية. وبقيت روسيا صامدة في أكرانيا، تعتمد على مقدراتها الطبيعية اللامحدودة، وتتجاوز إجراءات الحصار الغربية عبر مبادلاتها وتحالفاتها مع الصين والدول الصاعدة، وما زادتها الحرب مع أكرانيا إلا اقترابا مع الصين، وبات العالم يسير بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية، خلافا لما أرادت الولايات الأمريكية المتحدة تعطيله.
عندئذ برز ، في دوائر تصميم السياسات في الولايات الأمريكية توجه يؤمن بأنه لا يمكن وقف الزحف الصيني، وأنه لا بد من استبدال “استراتيجية المنافسة” ب“استراتيجية الإعاقة“. وهي الاستراتيحية التي أعلن عنها بلا مواربة “إلبريدج كولبي” مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 — تحت عنوان «الردع بالحرمان»: حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com