لماذا لم تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو؟

تاريخ النشر :

2025-11-02

التصنيف :

العالم

ربما السؤال الأنسب هو لماذا تستعمل الصين وروسيا حق الفيتو  في قضية الصحراء الغربية لمنع التقدم الذي حصلت عليه المغرب في مجلس الأمن؟

قضية الصحراء الغربية ليست ذات وزن في المصالح الصينية والروسية، وليست قضية مبدئية من حيث أنه لدى الصين وروسيا قضايا يمكن اعتبارها شبيهة بقضية الصحراء الغربية، فيوجد لدى الصين قضية الإيغور مثلا وربما قضية تايوان، وعند روسيا قضية جزيرة القرم والدونباس وسابقا الشيشان وداغستنان  وغيرها.

فهل يمكن استعمال حق الفيتو فقط لمواجهة الولايات الأمريكية المتحدة؟ ليس هذا واردا في الظروف الحالية، فروسيا في اتصال مع الإدارة الأمريكية وهي تحقق نجاحات مع ترامب، وقد اعترف لها على الأقل بأحقيتها في جزيرة القرم ومناطق مهمة شرق أوكرانيا، والصين ليس في استراتيجيتها التصعيد مع الولايات الأمريكية وفي مصلحتها، تجاريا وتكنولوجيا، تخفيض التصعيد.

وهل الصين وروسيا حقا حليفان استراتيجيان للجزائر، ولو على حساب المغرب، فتسندان ررؤيتها في ملف الصحراء الغربية في مجلس الأمن؟ ليس الأمر على هذا النحو.

لا أحد يجهل البرودة في العلاقة بين روسيا والجزائر التي ظهرت في عدم دعم روسيا عضوية الجزائر لمنظمة البريكس، وكيف تنظر روسيا للجزائر من الناحية الاستراتيجية الدولية، والتي عبر  عنها لافروف بتصريح فهم بأنه مسيء للجزائر عقب الاجتماع إذ قال بأن “المعايير التي أخذت بعين الاعتبار لدى مناقشة توسع مجموعة البريكس هي وزن وهيبة الدولة ومواقفها في الساحة الدولة ومساهمتها في التحول نحو عالم متعدد الأقطاب”. وقد بيّنت في مقال عن ذلك حينها بأن روسيا تعتبر أن الجزائر لم تحسم أمرها في مسألة التحالفات الدولية وأنها أقرب إلى الولايات الأمريكية المتحدة. وزاد في توتر العلاقات بين البلدين التحولات الكبرى التي وقعت في مالي ودول الساحل والتي جعلت الجزائر  أقرب إلى المعسكر الغربي في هذا الملف، وقد شهدنا جميعا الرد المهين للافروف على الصحفية الجزائرية التي سألته عن تورط الفيلق الإفريقي الروسي في جرائم ضد المدنيين.

وبالرجوع إلى هذه الحادثة يمكن أن نتساءل هل كان هذا الحدث بريئا أسابيع قليلة قبل انعقاد مجلس الأمن عن قضية الصحراء الغربية.

ومن أغرب ما حدث في هذا الملف أنه في الوقت التي باتت علاقات الجزائر سيئة جدا مع جيرانها في بعض دول الساحل وخاصة مالي – وهي الآن منطقة نفوذ مع روسيا  – هو التقارب الكبير الذي حصل بين حكومات هذه الدول والمغرب، ولا شك أن هذا الوضع الجديد ليس في صالح الجزائر في علاقتها مع روسيا.

وكون السلاح  الجزائري سلاحا روسيا لا يكفي ليكون التحالف الاستراتيجي نهائيا بين الدولتين، فالقاعدة أن الدولة المسلحة بغير سلاحها والتابعة في تسليحها لدولة أخرى قد تكون تابعة وليس بالضرورة حليفا. ولا تكون روسيا منزعجة كثيرا على المدى القريب من ضياع هامشها في سوق السلاح بالجزائر، فهي تعلم بأن الولايات الأمريكية المتحدة لا تمنح أسلحتها المتطورة للجزائر في المدى المنظور، كما أن تغيير  الدولة تبعيتها في السلاح من دولة إلى دولة أخرى يتطلب على الأقل عشر سنوات، ويتسبب عادة في حالة إضعاف للقدرات العسكرية للدولة المعنية، إذ يتطلب  ذلك تغيير ثقافة عسكرية عميقة ومهارات ومعارف راسخة يصعب تغييرها، وهو قرار  معقد لا يعدّ اتخاذه بالأمر السهل،  إلا إذا كان الانتقال إلى سلاح وطني تصنعه الدولة بنفسها في بلادها.

أما بالنسبة للصين فإن المسألة أبسط من هذا بكثير، فرهاناتها الأساسية حاليا رهانات جيواقتصادية وليس جيوسياسية أو جيوستراتيجية، والجزائر  أقل جذبا في الجانب الاقتصادي من المغرب، حيث أن المغرب يتفوق علينا في حجم الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية والصناعات المتقدمة والاستثمارات الكبيرة مع الصين في حين تتجه علاقاتنا الاقتصادية بالصين  أكثر نحو البنية التحتية التقليدية والتوريد وفي مجال الطاقة رغم الفرص الكبيرة  للاستدراك. وقد تفاجأتُ فعلا بحديث لمسؤول صيني في حفل أقامته السفارة الصينية بالجزائر   عام 2023 حاولت أن أحدثه عن فرص الاستثمار في بلادنا فأخذ يكلمنا بصراحة عن البيئة الطاردة للأعمال في الجزائر.

فبالنظر  لهذه المعطيات ( التي لا تناقش في الرأي العام في بلادنا) ما الذي يجعل الصين وروسيا تستعملان  حق الفيتو  لإرضاء الجزائر وتتسبب في ازعاج المغرب الذي يعتبر هو كذلك بلدا صديقا لهما؟

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية