أمريكا والفخ الإيراني

تاريخ النشر :

2026-03-03

التصنيف :

العالم

يتجه العدوان الصهيوني الأمريكي إلى مزيد من التعقيد، والمعطيات في هذه المرحلة من الحرب ليست في صالح المعتدين. لا شك أن إيران تتلقى ضربات قاسية من الجبهتين، ولكن التطورات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تضغط أكثر على الولايات الأمريكية المتحدة وحلفائها وعلى الكيان الصهيوني والعالم كله. والغريب في الأمر أن اغتيال المرشد الأعلى خدم الإيرانيين أكثر مما خدم المعتدين عليهم، إذ أعطى صورة للداخل الإيراني وللخارج بأن الحرب وجودية فلا بد للإيرانيين من رص الصفوف رغم اختلافاتهم، وأصبح قتالهم بأقصى درجات العزيمة وبلا خطوط حمراء، كما بات تدمير أي تمرد داخلي بقسوة لا لوم عليه، ولا يُستغرب منهم، وهم في التهديد المدمر الذي هم عليه، أن يجروا المنطقة كلها إلى الحرب بمنطق “علي وعلى أعدائي”، ولا بد للعالم المتفرج على العدوان الخطير الذي عليهم دون فعلٍ أن يدفع كله الثمن. هذه هي تصرفات الذي أريد قتله فلم يصبح لديه شيء يخاف عليه.

قد يلوم الأشقاء العرب الإيرانيين على استهداف بعض منشآتهم ومصالحهم، وهذا من حقهم، ومن حقنا أن نتعاطف معهم، ولكن الذي يرى الموت يتربص به لا يكترث بغضب من يتفرجون على موته، بل يلومهم على عدم فعل ما يلزم لوقف خطر تدميرهم. ولئن كان للصهاينة أوراق ضغط قوية على ترامب لجره إلى الحرب، فإن دول الخليج لها كذلك أوراق قوية عليهم أن يستعملوها بعزة ضد ترامب، بدل أن يأخذها منهم بذلة، بدعوى حمايتهم، وهو لم يحمهم حتى من الحوثيين، كما هو معلوم.

لقد علّمنا التاريخ بأن الذي يقاتل بعدما لم يصبح لديه شيء يخسره، يستطيع، في بعض الأحيان، قلب الطاولة، وأن القوي الذي يتمادى في استعمال قوته قد يكسر نفسه بنفسه. لقد حدث هذا في تاريخ الإمبراطوريات الكبرى، بل حتى في تاريخ الحكومات والأحزاب والمنظمات، ومن له اطلاع على التاريخ وسنن التدافع يعلم ذلك.

منذ أن اتجه الإيرانيون إلى التصعيد، بذهنية لم يبق شيء نخسره، بدأت خطتهم تنجح، فنَقْل الحرب إلى الدول التي للأمريكان فيها نفوذ كبير، وضرب الصناعة الطاقوية وقطع خطوط الإمداد، جعل الأمريكان يخسرون على عدة أصعدة، سواء لصعوبة الإمداد العسكري بالطاقة والمعدات ونقل الأفراد، أو بتأكد الحلفاء العرب بأن أمريكا لا تستطيع أن تحميهم، وأن ما تستطيع أن تقدمه من الدعم إنما يتجه لحماية إسرائيل دونهم، كما سيحرك ارتفاع أسعار الوقود والبضائع الرأي العام العالمي، وخصوصا في الدول الغربية، ضد الحرب. وعلاوة على ذلك إذا طالت الحرب ولم يحصل حسم سريع، وربما تبدأ توابيت الجنود تصل إلى أمريكا، عندئذ ستدور الدائرة على ترامب شعبيا، وسينتقم منه الديمقراطيون شر انتقام. وربما هذا الذي يسعى إليه الإيرانيون بإطالة أمد المقاومة وتوسيع مدى الصواريخ والمسيرات. ومن الجهة الإسرائيلية لن يستطيع الإسرائيليون الصمود طويلا أمام القصف المتواصل المعتّم على نتائجه، والذي أدى أقل منه في حرب الإثني عشر يوما إلى طلب وقف الحرب.

لقد أظهرت أخبار العمليات العسكرية للحلف الصهيوني الأمريكي، بأن أهداف الحرب لدى الطرفين تختلف، فبينما يستهدف الجيش الأمريكي القدرات العسكرية لإيران لشل قدراتها على الرد والعودة بنفس النظام إلى طاولة المفاوضات ضعيفا على الشروط الأمريكية، إن اتضح أنه لا يمكن تغييره، يواصل الإسرائليون ضرب البنية التحتية الأمنية والسيادية لتمكين قوى عميلة لهم من إحداث الفوضى في البلاد خصوصا في الحدود مع دول الجوار وأماكن تواجد القوى الكردية.

غير أن هاتين الاستراتيجيتين تعملان بوتيرة في الأثر أبطأ من الاستراتيجية الإيرانية القاضية بإدخال عوامل وعناصر جدية في الحرب لا يمكن التحكم فيها.

يخشى الإسرائليون كثيرا أن يقرر ترامب وقف الحرب إذا رأى بأن الكلفة السياسية عليه كبيرة، أو أن لا يقرر استعمال القوة المفرطة، التي يكون منها السلاح النووي، في حال استعصى وقف القصف الإيراني على دولة الكيان ودول الجوار، وربما على المواقع العسكرية الأمريكية ذاتها.

ولكن ماذا عسى أمريكا أن تفعل إن تماسك الإيرانيون لمدة طويلة سوى الرجوع إلى المفاوضات من أجل حلول وسطى تحترم السيادة الإيرانية.

إن البديل عن ذلك هو إما الدخول البري فتكرر أمريكا لنفسها مأزق الصومال والعراق وأفغانستان، فتتلهى عن الجبهة الصينية وتفقد مكانتها الدولية، أو يصنع ترامب لنفسه – فيتنام جديد – فيسقط كما سقط “نيكسون”. أو أن ينفذ هذا الأخير تهديده بضرب ايران بالنووي، بما يدل على حالة الإرباك الذي هو فيه. وإن فعل هذا الفعل المستحيل، فلن يسير هو فقط لحتفه ولكن سيجر عندئذ الولايات الأمريكية المتحدة كلها بسرعة فائقة إلى الهوة السحيقة ..، التي كان يجرها إليها ببطء.

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية