شعار “الجزائر الجزائرية” وإرادة تزييف السردية.

تاريخ النشر :

2025-12-12

التصنيف :

الجزائر

لقد انتصرت الجزائر بعد ثبات دام 130 سنة من الاحتلال الفرنسي الغاشم خاضت فيه مقاومة شعبية مسلحة بطولية لمدة سبعة عقود تقريبا، ومقاومة ثقافية وسياسية واجتماعية لأكثر من خمسة عقود، وحربا تحريرية نهائية مظفرة لأكثر من سبع سنين. وكان انتصارها حاسما بتحرير الأرض والسيادة والهوية. وبعد خروج الاحتلال من أراضينا بقي هذا الأخير يواصل حربه ضدنا في موضوع السيادة والهوية. 

والغريب في الأمر أن الذين يباشرون استمرار معركة السيادة والهوية بعد خروج الاستعمار من الأرض ليست دولة الاحتلال فحسب، بل معها طابور من بني جلدتنا، وكأن أولئك الذين صوتوا في الاستفتاء ضد استقلال بلادهم عام 1962 قد فرّخوا، وبعد أن كانوا لا يظهرون وجوههم تراهم اليوم يجاهرون بأنفسهم وبمواقفهم. 

ومن مظاهر استمرار معركة الهوية النقاش الغريب الذي ظهر هذه السنة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960 حول شعارات ” الجزائر الفرنسية”، “الجزائر الجزائرية”، “الجزائر المسلمة”. 

من المفروض أن هذا النقاش قد انتهى مع خروج الاستعمار، وأننا معتزون باستقلال أرضنا، وبسيادتنا في  بلدنا على قرارنا وثرواتنا، وبهويتنا وكينونتنا، وأننا منشغلون بالبناء والتشييد والتطوير. ولكن للأسف الشديد لم يقبل الخاسرون في معركة التحرير هزيمتهم، ولا يريدوننا أن ننشغل بنهضة وطننا فيرجعوننا إلى الصراع حول ملفات حسمت بصمود الشعب وفرقعة البارود. 

لا أدري هل يعتمدون على نسيان الأجيال  وانشغال الحزائريين بحياتهم اليومية وضغوطات الواقع ليخلقوا سردية جديدة منافية لوقائع التاريخ، ام أنهم استأنسوا في أنفسهم قوة [وهمية] جعلتهم يتجرأون  على ذلك. من من الجزائريين لا يعرف بأن عبارة “الجزائر الجزائرية” هي عبارة أطلقها ديغول في مواجهة عبارة ” الجزائر المسلمة” التي كان يتمسك بها الجزائريون في وجه مخططاته وفي كفاحهم من أجل الاستقلال من جهة، وفي مواجهة “الجزائر الفرنسية” التي كان يتمسك بها المعمرون وضباط الجيش الفرنسي في الجزائر  لعدم الاعتراف بالهزيمة وضد توجه ديغول للمفاوضات مع جبهة التحرير من جهة أخرى. 

لقد اختلق ديغول شعار “الجزائر الجزائرية” لسببين رئيسين، أما السبب الأول هو أنه لم يكن يريد أن تكون للجزائر هوية، حتى يسهل إلحاقها لاحقا ضمن الدائرة الاستعمارية بعد الاستقلال،  لأنه حين يُسأل الجزائريون عن هويتهم سيقولون مباشرة: “نحن مسلمون”. وديغول مثله مثل القيادات الاستعمارية منذ بداية الاحتلال يعتقد بأن الإسلام هو وحده الذي منع من إدماج الجزائريين أو مسخ هويتهم، كما حدث لكثير من الشعوب المستعمرة في الأمريكيتين وفي أفريقيا. والسبب الثاني أنه كان يريد أن يبقى الأوربيون، الذين كان يبلغ تعدادهم قرابة المليون، في الجزائر  بعد الاستقلال ليضمنوا استمرار المصالح والهوية الفرنسية، ولكي لا يلتحقوا بفرنسا بحقدهم الشديد عليه بسبب هزيمته ورضوخه لإرادة الجزائريين في الاستقلال . وبما أن الأوربيين في الجزائر كانوا يسمون الجزائريين “مسلمو الجزائر” (les musulmans d’Algérie)، فإن الجامع بين الأوربيين المسيحيين والجزائريين المسلمين الذي يشجع الأوربيين على البقاء في الجزائر هو أن تكون “الجزائر الجزائرية”. غير أن الشعب الجزائري لم يقبل شعار ديغول ومخططه فرفع في مظاهرات 11 ديسمبر شعار ” الجزائر المسلمة”. 

علاوة على أنه لا يوجد في العالم بلد يعرّف نفسه بتكرار اسمه، وإنما يضاف إلى الاسم صفة ترمز إلى الهوية أو الجغرافيا فلم نسمع مثلا تعريفا على شاكلة “امريكا الأمريكية” أو “فرنسا الفرنسية”، أو “ألمانيا الألمانية” أو “الصين الصينية” أو ” روسيا الروسية” وإنما يضاف تعريف للاسم فيقال مثلا ” فرنسا الأوربية” ، أو يقال “الصين الكونفوشيوسية” أو “روسيا السلافية” أو ” الارثذكسية” أو “الدول الغربية المسيحية-اليهودية”، وهو التوجه الذي يريد الكيان فرضه من خلال شعار ” إسرائيل الي@ودية”، وهذه التصنيفات مشهورة في الكتب المتخصصة في الجيوبوليتيك أو الدراسات الحضارية.

وحين نتحدث عن الجزائر ، فلو قلنا “الجزائر الجزائرية” لا نكون قد عرفناها، بل نكون قد عزلناها جغرافيا وحضاريا ومصلحيا. ولكن حين نقول “الجزائر المسلمة” فقد أفهمنا من يسمعنا من هي الجزائر، فهي بلد ينتمي للعالم الإسلامي والحضارة الإسلامية، والأغلبية الساحقة لشعبها مسلمون.

وعليه يجب أن ننتبه، بأنه حينما لا يستطيع أذناب الاستعمار أن يقولوا ” الجزائر الفرنسية” أو “الجزائر الأوربية” بسبب أنهم سيفضحون أنفسهم عندئذ، ولأن الفرنسيين والأوربيين يحتقرونهم ولا يقبلونهم ضمن هويتهم، فهم يحاولون أن يجعلوا الجزائر بلا هوية ليسهل بعدها بيعها بثمن بخس إلى أسيادهم. 

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية