لقد تحالف التخلف والاستعمار والاستبداد والغفلة والجهل والأهواء في خلق بيئة عامة تديم بلاء الأمة وتبعيتها وفقدان سيادتها. وما نراه اليوم من تحالف عملي لحكومات ونخب في العالم العربي والإسلامي مع الولايات الأمريكية المتحدة لضرب إيران، هو نتيجة مسار طويل من ذلك، بلغ أوجه في الحرب القائمة، وربما هي بداية نهايته بحول الله.
إن المشاركين والمبتهجين بالعدوان على إيران في العالم الإسلامي أطراف عديدة نذكر منها:
– فئات سكانية في سوريا والعراق تضررت من التدخل الإيراني.
– علماء ونخب فكرية وسياسية غلب عليهم النفس الطائفي.
– حكومات متحالفة مع أمريكا
– تيارات مدخلية الوظيفي.
– تيارات علمانية متشددة.
1 – فئات سكانيةً واسعة تضررت من التدخل الإيراني، لا سيما في سوريا والعراق واليمن، وهذه الفئات هي وحدها التي نتفهّم موقفها من بين الأصناف التي سنذكرها. فهؤلاء سُفكت دماؤهم، وشُرّدت عائلاتهم، وتم تصفية علمائهم وقادتهم. وتفهّم مشاعرهم واجب، ولكن لا يلزمون غيرهم بمواقفهم، فالمعركة مع الصهيونية والقوى الاستعمارية أشمل وأعم، ولا يمكن للأوضاع المحلية مهما كانت أهميتها أن تحكم في القضايا الاستراتيجية الدولية التي يترتب عليها مصير الأمة كلها. ولو حقق الأمريكان والصهاينة أهدافهم من هذه الحرب، قد نشهد أوضاعا أسوء مما رأيناه من قبل، وسنصبح جميعا عبيدا لزمرة المجرمين من قادة الصهيونية المسيحية واليهودية والعربية، بل ربما ستشهد المنطقة مجازر مروعة من أجل تحقيق الأحلام التلمودية التي باتت معلنة. وأتعجب كيف يسعى البعض لحبس مصيرنا على تلك الأعمال الشنيعة التي تورطت فيها إيران في سوريا، ولا يتذكرون ما اقترفه حكام مجرمون من السنة في حق شعوبهم، والدهشة تزداد حين نسمع من يجرمون إيران ويتغاضون عما فعلته روسيا ويلتمسون سبل التصالح معها.
إن سفك دم مسلم أعظم من هدم الكعبة، فكيف بفتن كالتي عاشها أهل العراق وسوريا، غير أن الله أمرنا أن نصلح بين المتقاتلين لا أن نديم الصراع والعداوة بينهم، قال الله تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ))، وما جعلت الديات إلا للتصالح بعد القتل لكي لا يسرف الناس فيه، ورحم الله معاوية رضي الله عنه الذي رد على أطماع ملك الروم، في ما ذكره ابن كثير قائلا: (( والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت )). وذلك هو الفهم الاستراتيجي الإسلامي التي يتسامى عن ثقافة الثارات الجاهلية.
2 – فئات من العلماء والمثقفين، إما بلا علم وفهم، أو بلا بصيرة، يتماشون مع عواطف المكلومين بدل تهدئتها، وبعضهم يؤججها والعياذ بالله. بعض هؤلاء العلماء يعرفون أنهم يخالفون رأي جمهور علماء أهل السنة في حكمهم المطلق على الشيعة، وبعضهم يتفنن في تسليط الضوء على مواقف منحرفة ومتطرفة من الشيعة في إيران غير بارزة، سألت عليها أفاضل من السنة الإيرانيين فقالوا لي: “هي حالات هامشية في المجتمع الإيراني، وممنوعة رسميا”. ويركز أولئك العلماء والنخب كذلك على الأذى الذي لحق السيدة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي ابتلاها الله وابتلى زوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وابتلانا جميعا بالاعتداء عليها في حياة زوجها ووالدها من قبل المنافقين، وانخرط في الإفك صحابة من المؤمنين. ولكن الله عفا عن الجميع وتسامت السيدة عائشة رضي الله عنها عن العداوة، وعبّرت عن ذلك حين رفضت لعن حسان بن ثابت، الذي خاض في عرضها، بالنظر للجانب المضيء في دفاعه عن رسول الله.
ويضاف إلى الصراع الطائفي مع إيران الصراع العرقي، إذ يبالغ بعض مثقفي السنة في الإساءة للفرس، وهم شركاء أصلاء في مجد الإسلام والحضارة الإسلامية، منهم أئمة الفقه كأبي حنيفة، وكبار علماء الحديث كالبخاري وابن ماجة والترمذي والنسائي وأبي داود، وعلماء اللغة العربية كسيبويه والزمخشري، وعلماء الطب والفيزياء والفلك والكيمياء وغير ذلك، كابن سيناء، والخوارزمي، والبيروني، وجابر بن حيان.
عاش الشيعة والسنة في تعايش تام لقرون من الزمن الى أن قامت الدولة الصفوية التي أسسها أتراك فرضوا التشيع ولم يكونوا من الفرس.
لقد أرادها الله أن تكون (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) فأرادها هؤلاء طائفية مقيتة، وعرقية نتنة.
أما عن وقوفهم عند مسؤولية إيران في الفتنة في سوريا والعراق واليمن، التي يلبسونها لبوس الطائفية والعرقية، فإن عقولهم ومعارفهم لم تهدهم للفهم بأنها كانت صراعات سياسية، فاختلاف الصحابة واقتتالهم لم يكن عقائديا، ولكن عن أحقية الحكم وإدارة الدولة، وسيدنا معاوية رضي الله عنه، مؤسس الدولة الأموية المجيدة، التي يحتفي بها الطائفيون في مذهبنا السني السمح قاتل سيدَنا علي كرم الله وجهه، لأسباب سياسية، وذريته قتلوا الحسين وأبناء الصحابة. ووقعت الصراعات والحروب بين دول قديمة بشكل عابر للمذاهب في كل الاتجاهات، وفي العصر الحديث حكام دول حديثة سنية فعلوا في شعوبهم الأفاعيل.
وما حدث من صراع بين الشيعة والسنة، وبين إيران ودول عربية حدث أعظم منه بكثير بين البروتستانت والكاثوليك، وبين الدول الأوربية، سواء من حيث مدد الاقتتال، أو عدد القتلى أو حجم التهجير والتدمير، ورغم ذلك تصالحوا وتحالفوا وهم يد واحدة ضدنا اليوم، ونحن لا زلنا ندمر المستقبل بكثرة الرجوع إلى الماضي والتاريخ.
3 – حكومات متحالفة مع أمريكا، وأغلبها حكومات ضعيفة اعتقدت منذ عقود بأن الولايات الأمريكية المتحدة، وقبلها بريطانيا هي التي تمنحها عروشها وتصونها وتحميها من المنافسين في الداخل، ومن المخاطر الخارجية، وظلت هذه السياسية مستقرة منذ تحالف الشريف حسين ثم السعوديين مع بريطانيا ضد بعضهم البعض وضد الدولة العثمانية، وعلى إثر تقسيم سايكس-بيكو بعد ذلك، ثم عبر التطورات الداخلية المختلفة للحكم في العديد من الدول العربية والإسلامية التي كانت أيدي بريطانيا وأمريكا وفرنسا حاضرة فيها دوما بعد مرحلة الاستقلال، ثم التحالف مع الغرب من أجل مواجهة الشيوعية كتيار فكري وضد المعسكر الشرقي أثناء الحرب الباردة، ثم ضد الحركات الإسلامية السنية، خصوصا على إثر الثورات الشعبية السلمية في 2011.
لقد اشتد هذا التحالف أكثر في مواجهة إيران بعد الثورة الخمينية، وصار خطره على الأمة فادحا بعد أن صار ثلاثيا بدخول الكيان الصهيوني فيه ثم قيادته له حاليا. وللأسف ساهمت أخطاء إيران في الحضور القوي للاستعمار الغربي في المنطقة عند تحالفها مع الأمريكان والدول العربية لتدمير العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل الكاذبة، ثم اعتمادها من قبل الأمريكان والإسرائليين كفزّاعة لمزيد من التحكم في المنطقة بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول عبر الأقليات الشيعية فيها.
لقد منح هؤلاء الحكام العرب والمسلمون بلادهم للقواعد العسكرية الضخمة التي يستعملها الأمريكان لصالح إسرائيل، وللتآمر على المنطقة والقوى الحية فيها، ولتسيير الانقلابات ومحاولات الانقلاب كالذي حدث في 2016، وهي اليوم تستعمل بأشكال عدة ضد إيران.
وبالرغم من أنه اتضح لدى هؤلاء الحكام العرب بأن أمريكا لا تحميهم حتى ضد صواريخ الحوثيين رجعوا للإغداق على ترامب بأموال طائلة وهو يقتل أطفال ونساء غزة، وفي “وقت الشدة” وجّهت أمريكا قواها الأساسية لحماية إسرائيل في حربهما ضد إيران وتركوا البلاد العربية مكشوفة.
لو كان ثمة مشروع إسلامي حضاري سني يُعدّ ويسعى لتوحيد الأمة وعودتها الحضارية لحُلّت مشكلة إيران الشيعية باستيعابها في الأمة ذات الأغلبية السنية، وليس بمحاربتها أو التحالف مع الأمريكان ضدها، ولكن للأسف الشديد هذا المشروع الإسلامي السني غير موجود، وإنما توجد مشاريع قطرية علمانية متصارعة بينها، سيأتي عليها الدور بعد إيران واحدة واحدة.
4 – التيار المدخلي الوظيفي:
إن أكثر من يؤجج الصراع الطائفي في الوسائط الاجتماعية التيار المدخلي. وحين أتحدث عن التيار المدخلي لا أقصد التيار السلفي، فنحن نلتقي بمن ينتسب للسلفية في المساجد فلم نر منهم إلا خيرا. قد تختلف معهم في أفكارهم واتجاهاتهم الفقهية ومواقفهم السياسية ولكن لا تشك في تدينهم وفي خدمة القرآن الكريم وعمارة المساجد وتذكير الناس في جوانب مهمة من الدين. أما من يُعرفون بالمداخلة فلا نرى لهم أثرا في الحياة العادية، ولا وجود لهم إلا في الوسائط الاجتماعية ضمن شبكات الذباب الإلكتروني، والأغلبية الساحقة من حساباتهم تُسيّر من دولة الكيان الصهيونى ودولة الإمارات ومن المغرب، وقد كشف مالكُ منصةِ “اكس” ذلك.
بل لقد ظهر من خلال تقاريره التي نشرها لأغراض تتعلق بالداخل الأمريكي، وتقارير أخرى نشرت في وسائل الإعلام، المواضيع التي يشتغل عليها هؤلاء المداخلة، وعلى رأسها كسر أي سردية مضرة للكيان الصهيونى، ونشر العداوة بين الشعوب والجيران، وتيئيس الأمة وإحباط عزائمها خدمة للكيان الصهيونى، فما هم، في الغالب، إلا صنعة رقمية صهيونية لا وجود لها في أرض الواقع.
ومما يتميز به هذا التيار قلة الحياء، والكذب المكشوف، والبذاءة.
وللأسف التقطت بعض الأجهزة الأمنية خيوط هذا التيار فباتت تستعمله وتستعمل مفرداته لأغراض سياسية وتآمرية ضد المعارضين.
والغريب في الأمر أنهم يتهمون غيرهم بالعمالة للأجانب وهم يعلنون انتماءهم لدولة أجنبية وتيار مرتبط اسمه بشخص أجنبي لا وزن له حتى في بلاده، صنعته مخابرات ذلك البلد، كما يعلم الجميع. فتارة يتهمون أشخاصا وجماعات بالولاء لتركيا، وفي نفس الوقت يتهمونهم بالتبعية لإيران، وهو أمر لا ينسجم، فلا يمكن أن تكون مواليا لتركيا، إذا كنت مواليا لإيران، ولا يمكن أن تكون خادما لإيران إن كنت كذلك لتركيا. وحين يتخذ الأحرار المواقف الصادقة لوجه الله تعالى، لصالح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يخافون في ذلك لومة لائم، تغيب حجة أؤلئك المداخلة الدجالين المتصهينين، ويُسقط في أيديهم.
5 – التيارات العلمانية المتشددة:
ثمة في العالم الإسلامي تيارات علمانية يسارية ويمينية وقومية أشربت قلوبهم العداء لكل ما له علاقة بالإسلام، ولهم حساسية مفرطة لأي شيء يرمز للدين، ولو في إطار محافظ، لا يميزون في ذلك بين شيعي وسني، وسلفي وصوفي وحركي، وأغلب هذه التيارات لها ارتباطات فكرية وثقافية مع النخب والدول الغربية، وبعضهم لهم علاقات سياسية وأمنية، وقوى مهمة منهم ذات أبعاد عرقية، أو يمثلون أقليات أيديولوجية في بلدانهم، وهؤلاء لا يخفون ولاءهم للغرب ودعوتهم للتطبيع، يدعون في الظاهر إلى الديمقراطية ولكنهم يتحالفون مع الاستبداد والأنظمة العسكرية ضد التيار الإسلامي، معتقدين بأن شعبية التيار الإسلامي هي التي تفسد عليهم اختراق الدول العربية والإسلامية، لهم نفوذ اقتصادي ومالي وساسي كبير، ولكنهم غير آمنين على مستقبلهم بسبب ضعف وسائطهم الحزبية. يكرهون إيران، كما يكرهون تركيا، وكما يكرهون دول الخليج، يكرهون إيران بسبب مرجعيتها الدينية الشيعية، ويكرهون تركيا رغم علمانيتها بسبب الجذور الإسلامية لرئيسها، ويكرهون دول الخليج، رغم عدائها للتيار الإسلامي بسبب منابعها الدينية، وبالنسبة لبعض هؤلاء العلمانيين، بسبب عرقهم العربي ولباسهم العربي.
وهؤلاء العلمانيون، سوى تيار أقصى اليسار، و يقفون اليوم ضد إيران ويتمنون أن تنجح أمريكا في تغيير النظام الإيراني لهذه الأسباب الأيديولوجية.
هذا جزء من الخارطة الواسعة التي تحكم المواقف المتعلقة بالحرب القائمة، وبما هو أبعد من ذلك، والله نسأله الحفظ والصون للأمة كلها، بكل مذاهبها وطوائفها وأعراقها، وأن يجعل هذه الحرب تنقلب على أعداء المسلمين، وأن يكون فيها تسارع نحو تحرير فلسطين.
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com