يتخلى بعض نشطاء القضية الفلسطينية، خصوصا على مستوى الحركات الإسلامية في العالم العربي، عن واجبات أساسية في نصرة القضية الفلسطينية، بما يتناسب مع حجم المخاطر والمأساة، بقولهم أنهم يحافظون بذلك على مكتسبات ثابتة في بلدانهم.
فيقولون في المغرب مثلا بأنهم لا يرفعون سقف الاحتجاج ضد التطبيع ولا يستعملون الوسائل السلمية الصارمة ضد وجود السفارة الصهيونية في بلادهم للمحافظة على البعد الديني للملكية وإمارة المؤمنين، والسماح لهم بالمسيرات الضخمة في المدن المغربية لصالح فلسطين.
ويقولون في الجزائر بأنهم يتخلون عن المسيرات والوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الأمريكية ولا ينخرطون علانية وعمليا في أسطول الحرية، ويتساهلون مع التقصير الرسمي في نصرة القضية، وغير ذلك، للمحافظة على الموقف الرسمي الرافض للتطبيع وتساهل السلطات مع العمل الخيري والإنساني الشعبي لصالح القضية.
وقد كانوا يقولون في الأردن، قبل حظرهم ومنعهم من التعبير، بأنهم لا يتعاملون بصرامة مع السفارة الصهيونية، ولا يرفعون سقف احتجاجاتهم بما يتناسب مع حجم مأساة قومهم وأهلهم، ولا يزحفون سلميا نحو الحدود، ولا يعملون على دعم تصعيد المقاومة، خصوصا في الضفة، ويتبرؤون من المتطوعين الذين يُلقى عليهم القبض بسبب المحافظة على رصيدهم التاريخي في البلاد وعلى نشاطهم في مختلف المجالات، وعلى الهوامش الشعبية المتاحة لدعم القضية الفلسطينية، ولو لا الخوف من الإطالة لتوسعت في ضرب الأمثلة في العديد من دول العالم العربي والإسلامي ( وقد يتطلب الأمر التوسع في دراسة هذا الموضوع في إطار أشمل من القضية الفلسطينية بإعداد بحث تفصيلي خاص يرصد الحقائق ويتعمق في دراسة الأسباب ويحلل النتائج ويستشرف المستقبل ويقدم الحلول والبدائل العامة والقطرية).
غير أن الرد على الحجج التي يقدمها المقصرون في القيام بالواجب سهل جدا، هم ذاتهم يعرفونه في قرارة أنفسهم، ورفض توجهاتهم موجود في النقاش الداخلي على مستوى مناضليهم، ولكن الذي يفرض التخاذل إنما هم القادة لأسباب خاصة بهم نذكرها لاحقا.
وبسبب الطبيعة التنظيمية “العسكراتية” وغلق فضاءات التعبير بالقدر الكافي لقادة الرأي الآخر في مؤسساتهم، وبسبب ضعف البنية الفكرية القاعدية، ومخاوف الأتباع من الاستهداف ضد التنظيم وقيادته ووحدة الصف، الوهمية والحقيقية، تتجسد “نظرية القطيع” التي يصفها المتخصصون في علوم الإدارة والمنظمات وحركات الحشود وعلم النفس وعلوم الاجتماع، فيُترك بسبب ذلك كثير من الواجبات ويتم تجاوز الحق، والتواطؤ الجماعي على الخطأ.
لو سلمنا فرضا بأن كل المكتسبات المعبر عنها مكتسبات حقيقية وثابتة وقابلة للصمود، فإن ما يدفع إلى خفض سقوف النصرة للقضية الفلسطينية بسببها يدل على ضيق الأفق، وضعف الأهلية القيادية، وقلة الكفاءة في بناء الرؤى والاستراتيجيات الشاملة، وعدم توفر المهارة في بناء فرق العمل وتوزيع الأدوار والتكامل في الأدوار، للمحافظة حقا على المكتسبات. وأخطر ما في ذلك، عند بعض القادة، ما تنطوي عليه نفسياتهم من ضعف تربوي ينم عن رفض الحق إن لم يكن تحت قيادتهم، والخوف على مواقعهم من الفعل الذي لا يُوضع فورا وبشكل مباشر في كفتهم، وبُغض من يشتغل خارج إرادتهم، والنزوع لاحتكار المشهد ونجومية الفعل، وحسد المُجدين واتهام نواياهم ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالقضية ذاتها، بل الإضرار بحركاتهم وجماعاتهم ومنظماتهم وأحزابهم وبلدانهم نفسها.
إنه من العجب فعلا أن يعتقد بعضنا، ونحن في حالة الضعف التي نحن فيها، أننا نحن مركز العالم وكل ما يحدث مما يخالف توجهاتنا وقراراتنا هو باطل يجب التحرز منه، وتعميم التوجيهات للابتعاد عنه وعدم المشاركة فيه، وإن كان في ما يحذرون منه خدمة للإسلام والأوطان والمقدسات، ولعمري إن في ذلك ما ينافي سلامة القلب، التي تجعل الإنسان يفرح بالخير وإن لم يكن له فيه مصلحة محققة، كما بينه ابن قيم في تبيان أمارات صاحب القلب السليم على لسان صاحبه حين يقول” وأسمع بالقطر ينزل في أرض ليست لي فيها سائمة فأفرح”
ولو اتبع هؤلاء هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرائقه لإدارة الصراع لأدركوا حجم أخطائهم في فرض نمطيتهم الواحدة، ففي سيرته عليه الصلاة والسلام نماذج كثيرة في استيعابه لمختلف الفواعل المتناقضة واحتوائه المشاهد المعقدة في زمن الإكراهات وإدخالها ضمن استراتيجياته واستعمالها لتحقيق أهدافه.
ومن ذلك حوادث صلح الحديبية، التي يستعملها القادة المتخاذلون كثيرا في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com