أنا والإمارات

تاريخ النشر :

2025-05-17

التصنيف :

الجزائر

يشعر الإنسان بكثير  من الطمأنينة حين يكون موقفه في قضية متطابقا مع موقف بلده، رسميا وشعبيا، وذلك هو شأني مع دولة الإمارات. 

كانت بلاد الإمارات وجهة كريمة لدي في زمن الشيخ زايد رحمه الله، فقد كان لي فيها أهل وأصدقاء، سكنها صهري  لأغراض التجارة فترة من الزمن، وكان فيها مَعلما في مجاله، وعنوان استقامة وبركة  لدى التجار، وكنت أزوره بين الحين والحين لألقى شقيقتي الحبيبة حفظها الله وأولادها، إلى أن تركها رحمه الله رحمة واسعة إلى بلد آخر حين ساءت أمور البلد، كما حاولت أنا ذاتي ولوج عالم الأعمال بها مع بعض الزملاء التجار، وحققت أرباحا ولكن لم أستمر لكثرة انشغالي بقضايا أخرى عديدة، وكان لي بهذا البلد الطيب إخوان أجلاء وقامات سامقة في مجال العلم والفكر  والدعوة، كلهم اليوم مسجونين ظلما وزورا وبعضهم غادر بلده مكرها مهاجرا الى بلاد أخرى. 

ثم حكم البلاد ظالمٌ محارب لله ورسوله وأمة الإسلام، قرر وأزلامه معاداتنا وإيذاءنا كتيار إسلامي، بالرغم من أننا لم نفعل له شيئا ولم نسئ له ولا لأهله وبلده، وقد  كنت من بين أهدافه التي  بذل ماله الوسخ لضربها. 

زارني ذات يوم صحفي معروف وأستاذ دكتور في كلية العلوم السياسية توفاه الله رحمه الله،  ليحذرني من أمر ما له علاقة به. قال لي “لقد وجّهت لي دعوة من الإمارات لمناسبة وهمية وكان الموعد في ملعب رياضي، وهناك التقيت بمسؤولين إماراتيين، شكروني على ما أكتبه في نقد الإسلاميين وطلبوا مني أن أركز على ضرب عبد الرزاق مقري وحركته مقابل منحٍ مالية مجزية” ثم أخبرني بأنه رفض ذلك بحكم الصداقة التي بيننا، ولكن حذرني بأنه أعطاهم أسماء ثلاثة صحفيين شباب في الجزائر  قال لهم ” يمكن أن يقبلوا التعامل معكم”

لم آخذ ما قاله لي هذا الصحفي الصديق على محمل الجد، خصوصا أنني تعجبت لقوله، كيف يرفض التعامل معهم لإيذائي ويقترح لهم آخرين يقومون بالدور، ولكن حدث أمران جعلاني أتذكر ما قاله وأصدقه. يتعلق الأمر الأول بالشيخ راشد الغنوشي فك الله أسره، ويتعلق الأمر الثاني بصحفي  شاب له علاقة بالإمارات – قد يكون من أولئك الثلاثة الذين حذرني منهم صديقنا – استهدفني بقسوة وقذارة انكشف أمره  في المحكمة.  

أخبرني أحد قادة حركة النهضة الكبار  ( أتحفظ على ذكر اسمه لأنني لم أستشره) بأنه وجّهت له دعوة من مركز دراسات لإلقاء محاضرة بالإمارات، استضافوه في فندق فخم لم ير مثله حسب قوله، دلت مظاهر الفساد فيه أنه مصيدة للرجال وقد يكون الرجل عالما بقذارة من دعوه فأخذ معه زوجته. حين التقى بمضيفيه تأكد بأن سبب دعوته  لم تكن المحاضرة وإنما وضعوا بين يديه على الطاولة شيكا فارغا ليملأه بما شاء،  قال لي قلت لهم: “ما سبب هذا السخاء الكبير” فقالوا له بصراحة ودون حياء: “لقد لاحظنا أنك غير متفق مع الشيخ راشد الغنوشي ونحن نريد أن ندعمك في ذلك”، قال لي: “دفعت الشيك في اتجاههم على الطاولة  رافضا الإغراء وقلت لهم “أنا أنقد الشيخ راشد داخل حركة النهضة وفي تونس وأنتم لا شأن لكم بهذا” ثم وجد نفسه بعد محاولتهم الفاشلة يحاضر في قاعة صغيرة بها عشرة أشخاص جزم أنهم كلهم من رجال المخابرات. 

وأما الحادثة الثانية فهي مع صحفي شاب كتب سلسلة مقالات في جريدة العين الإلكترونية الإماراتية كلها كذب وافتراءات، منها أنني هرّبت أموالا إلى تونس لأسلمها للشيخ راشد الغنوشي وأنني آخذ أموالا طائلة من قطر والإمارات لضرب الجزائر. رفعت على المعني دعوى قضائية، كما هي السياسة التي اعتمدتها أثناء رئاستي للحركة وهي أن أقاضي كل هذا النوع من الدجالين والكذابين، وقد فزت في القضايا التي رفعتها في المحاكم ضدهم كلها بحمد الله. 

اقترحت على هذا الشاب، وعلى محاميه أن يتراجع كتابيا عما كتبه ويعترف بأنه كان يفتري لأسحب القضية – بناء على قضية أخرى قبلها كسبتها التزم الطرف المعتدي بالاعتذار علانية في وسائل الإعلام – فرفض معتقدا بأنه سيكون محميا ويغلبني في المحكمة، ولكن حين افتضح أمره وصدر الحكم ضده أربك إرباكا شديدا إذ لم يستطع تقديم أي دليل وعُدّ اتهامه أنه إهانه للأجهزة الأمنية التي تكون قد عجزت على كشف هذا الأمر الجلل لو كان حقيقيا. عندئذ اعترف أمام القاضي بأنه لم يكن هو من يكتب تلك المقالات ولكن كانت تُكتب باسمه من غرفة التحرير الإماراتية، وفي آخر الجلسة أعطى القاضي الكلمة لوكيل الجمهورية فمسح به الأرض وقال له: ” أنت تتهم رجلا محترما في حين أنك أنت الذي ثبت في حقك العمل مع دولة الإمارات”. 

هذه هي دولة الإمارات التي تريد أن تُخضع الجزائر بدسائسها الماكرة وأموالها العفنة، فإذا بها تجد نفسها أمام جدار قوي متين تتآزر فيه الجهات الرسمية مع القوى الشعبية ولا تكاد تجد عميلا واحدا لها يرفع رأسه في بلادنا، والله نسأله أن يديم حماية بلدنا، وأن يحمي الإمارات ذاتها والأمة العربية والإسلامية كلها والبشرية قاطبة، من هؤلاء الحكام المغرورين التافهين الذين لا مجد لهم ولا إنجاز لهم سوى بمال غزير أتاهم من الله ليفتنهم به في الدنيا ويفنيهم به لاحقا بحوله سبحانه غير مأسوف عليهم، ويعذبهم به في الآخرة.

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية