حينما يستعمل الدعاء في الصراع الطائفي

تاريخ النشر :

2016-01-22

التصنيف :

الأمة الإسلامية

صليت الجمعة هذا اليوم في مسجد يؤمه إمام شاب ذو نزعة سلفية معتدلة، أغلب خطبه التي سمعتها من قبل مفيدة ونافعة، ومحفزة على الخير والمحبة والإصلاح، له أفضال على حيه في تعليم القرآن والسنة، ولكن في الجمعة الأخيرة سمعته يدعو دعاء مفزعا، لقد دعا على الشيعة جملة وتفصيلا، دعا عمليا على قرابة ثلاثة مائة مليون من أهل القبلة.

أنا أعلم بأن جرائم كثيرة تقترف باسم الشيعة وآل البيت في سوريا والعراق وبلدان أخرى، أنا أعلم بأن كثيرا من أهل السنة في هذه البلدان أصبحوا يبغضون الشيعة لما لحقهم منهم من أذى، أنا أعلم بأن الظلم الذي تقترفه إيران وحزب الله قد بلغ عنان السماء. أنا ممن يدعو إلى إنكار هذه المناكر والعمل على توقيفها، تماما مثل ما أدعو إلى إنكار جرائم دواعش السنة وأخواتها في حق أهل السنة والشيعة. ولو دعا هذا الإمام الفاضل على إيران وحزب الله لما أصابني ربما الفزع الذي أصابني اليوم ولقلت بأن له موقفا سياسيا، ولو دعا على الميليشيات الشيعية المجرمة لكان الموقف عاديا مفهوما. فإيران أفسدت بسياستها الطائفية، وحزب الله جزء من استراتيجيتها وهو تبع لها في كل شيء، والدواعش الشيعية التي تعيث في سوريا والعراق فسادا تتبعها وتعمل تحت حمايتها.

منذ زمن وأنا أقول بأن لإيران مشروعا قوميا فارسيا، وهي تُسخر الطائفة الشيعية لهذا المشروع وليس العكس، وحرصها على التمدد في عالم السنة مشروع سياسي لا ديني، وإنما الدين أداة تستغله بذكاء لهذا الغرض. ولو علم ذلك الإمام الشاب هذا الأمر لما جمع الشيعة كلهم في سلة واحدة ولما دعا بذلك الدعاء المفزع. ما الذي جعله يدعو على الشيعة، لماذا لم يكن يدعو عليهم في الشهور الماضية، وفي السنة السابقة، ألم يكن الشيعة شيعة، عقيدتهم وفقههم وتفسيرهم للتاريخ هو ذاته منذ قرون طويلة. وقد تعايش المسلمون مع ذلك التنوع والاختلاف كل تلك المدد، ورغم الحروب الكبيرة التي وقعت، والخيانات العظمى التي حدثت بقي الشيعة شيعة والسنة سنة، وهم كذلك سيبقون ولن يتغير من الأمر شيء.

إن الذي يجب أن ينتبه إليه ذلك الإمام الشاب الصالح الطيب أن الخطة الجديدة لضرب الأمة العربية الإسلامية وتشتيتها وإضعافها هي الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة. لقد علم الغرب بزعامة أمريكا بأن حليفيه التقليديين في المنطقة المتمثلين في المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني المسمى دولة إسرائيل، لم يصبحا مهمين كما من قبل، وسيكونان أقل أهمية بدرجات متفاوتة بينهما في مراحل مقبلة، وذلك لأسباب كثيرة ليس المجال للحديث عنها، يتداخل فيها تطور أوضاع المصالح والثروات مع التطورات الاستراتيجية المتعددة. غير أنه مهما تراجعت  أهمية المنطقة لتلك الأسباب ستبقى مهمة من حيث الجيوستراتيجية، أي من حيث  الأبعاد الجغرافية، وكل استقرار سياسي وتطور اقتصادي وكل تحول نحو الديموقراطية وتجسيد إرادة الشعوب سيؤدي إلى وحدة سياسية بشكل ما يراها الغرب خطرا مباشرا عليه. وباعتبار أن أمريكا وحلفاءها يعيشون أزمات اقتصادية فهم لا يستطيعون ضمان حضور جيوشهم للسيطرة على المنطقة لمدة طويلة، ولذلك أحسن بديل للسطرة على المنطقة هو إشعال نيران الحرب الطائفية. وإن الحيلة التي اختاروها لهذا الغرض، هو دعم الأقلية الشيعية الإيرانية وتقويتها وتجرئتها على التمدد داخل أغلبية كبيرة ضعيفة ومترهلة. فلا الأقلية الشيعية القوية تستطيع أن تهيمن على الأغلبية، ولا الأغلبية السنية المهينة الممزقة تقدر على هزيمة الأقلية، والنتيجة عندئذ حرب طائفية تدوم مائة سنة كما تنبأ  بذلك الاستراتيجي اليهودي الأمريكي الماكر هنري كيسنجر.

إننا بدون شك لا نلوم إيران على أن يكون لها مشوع قومي فارسي، فهذا حقها وهذا هو شأن الدول، ولكن ما نلومه عليها هو رفع شعار الإسلام والعمل بما يخالفه، ورفع شعار المقاومة وإنشاء ظروف الفرقة والتمزق بين المسلمين المخالفة لأهداف ومشروع المقاومة، وأكثر ما نند به بخصوصها هو تورطها وحلفائها في الجرائم، والقتل والتشريد والتجويع على أساس المذهب، ومن ذلك مأساة مضايا في سوريا والمقدادية في العراق التي ستبقى عارا على جبينها وجبين حزب الله.

غير أن ذلك كله لا يبيح أن نجعل الشيعة كلهم في كفة واحدة، وأن ندعو عليهم، وأن نحاربهم على أساس مذهبهم وطائفتهم، لم يفعل ذلك العلماء والتابعون من قبل رغم إنكارهم على بعض عقائدهم وسلوكهم مع الصحابة، وكل الحروب التي كانت بين السنة والشيعة، سواء بين البوهيين والسلاجقة، أو العثمانيين والصفويين، أو ما وقع في فترات متعددة بين الفاطميين والمعز بن باديس في المغرب الأوسط، ومن قبله عبد الرحمن الناصر في الأندلس إلى أن قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي في مصر، وغير ذلك من الحروب، كانت كلها حروبا سياسية هزمت فيها الدول الشيعية في كل تلك السجالات في آخر المطاف، ولكن لم تودّ تلك الحروب أبدا إلى حروب طائفية نبذ فيها الشعبان الشيعي والسني بعضهما بعضا.

إن الحكمة في معالجة الصراع السياسي الإيراني العربي ليس في تأجيج النزعة الطائفية، إن فعلنا ذلك سنجعل كل الشيعة يحتمون بإيران ولو كانت ظالمة، وليست كذلك في تفضيل المواجهة الشاملة والقطيعة التامة مع إيران، ولا من خلال الحرب بالوكالة بواسطة الجماعات الإرهابية، سواء الميليشيات والدواعش السنية أم الميليشيات والدواعش الشيعية. وإنما الحكمة في أن تنافس البلدان السنية إيران الفارسية الشيعية المسلمة في القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والعسكرية والفنية، وأن تحقق الوحدة والنهضة الشاملة في العالم السني، ذلك الذي سيجعل إيران تُنسِّب طموحها، تماما مثل ما هو التاريخ، كلما ضعف السنة وُجد في الشيعة من يقودهم للتمدد داخل السنة، وكلما قوي السنة كان الشيعة ضمن الأمة، يكون منهم العلماء والأدباء والسياسيون الذين يخدمون الإسلام وأهله.

إنه حينما يلجأ إمام ذو سمعة طيبة مثل هذا الذي صليت عنده هذه الجمعة إلى الدعاء على الشيعة الروافض[1] كلهم على المنبر بحضور أعداد كبيرة من المسلمين، كرد فعل على جرائم بشعة اقترفها بعض الشيعة، نشعر كم هو سهل التورط في فتنة طائفية تأكل الأخضر واليابس نسأل الله العافية.

 

د. عبد الرزاق مقري

ــــــــــــــــــ

 

[1] ـ الرافضة أو الروافض: المفرد: رافضي) والرفض : بمعنى الترك. ويطلق المصطلح من قبل بعض أهل السنة على الشيعة الاثنا عشرية. قال ابن تيمية في أصل تسمية الرافضة: «من زمن خروج زيد – يقصد زيد بن علي – افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني. فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه، وسُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه.

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية