حين ينظر الكثيرون إلى مجازر الاحتلال الفرنسي منذ وطأت أرجله المدنَّسة أرض الجزائر الطاهرة يعتقدون بأنها أفعال قادة سياسيين وعسكريين مجرمين يبحثون عن المجد والمنافع المادية فحسب. كل متمعن في الخلفيات الدينية والفلسفية لحركة الاحتلال يدرك بأن أولئك المجرمين يقتلون بلا وخز للضمير، متسلحين بقناعات دينية وفلسفية تشكلت عبر قرون طويلة في تاريخ الحضارة الغربية، المسيحيةـاليهوديةـ العلمانية، ويهدف هذا المقال إلى تبيان ذلك، مرحلة بعد مرحلة.

تندرج مجازر الثامن ماي في قالمة وسطيف وخرّاطة، ضمن هذه الخلفيات الدينية والفلسفية، وهي جزء من مسيرة الإجرام الفرنسي في الجزائر منذ بداية الاحتلال حين تعامل الاستعمار مع المقاومة الشعبية في إطار سياسة الأرض المحروقة ضد المدنيين العزل، وسياسات الإبادة والقتل الجماعي للسكان بالسلاح، وبالغاز في المغارات حين يحتمي بها الناس، كما حدث في غار الفراشيح لقبيلة أولاد رياح بنواحي مستغانم عام 1845، إلى حرق القرى والمداشر بأهلها وحيواناتها بالنابالم أثناء الثورة النوفمبرية، التي أراد بها ديغول إخضاع الجزائريين المدنيين، واستعماله “الغازات السامة” و”الغازات الخانقة” ضد المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، في صورة مطابقة لما قامت به النازية ضد اليهود، وما يقوم به اليهود ضد الفلسطينيين اليوم.

وستبقى “الجرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” التي قام بها الاحتلال الفرنسي في 8 ماي 1945 من أبشع جرائم الحضارة الغربية ضد الإنسانية، وهي جرائم فاق فيها عدد الشهداء في ثلاثة أيام عدد شهداء غزة في سنة. ولو كانت التغطية الإعلامية متاحة كما هو الحال اليوم لضجّت الأرض بتلك الفضائع في كل نواحيها في العالم.

ولم يكن سبب الإجرام عمليات جهادية غير محسوبة، كما يقول المتخاذلون والمنافقون بخصوص طوفان أ اليوم، أو ما قاله أمثال هؤلاء بخصوص هجمات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، وما تبعها من بطش فرنسي في حق المدنيين آنذاك.

في الثامن ماي خرج الجزائريون في مسيرات سلمية للمطالبة بالاستقلال الذي وعدهم بها قادة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

تمعنتُ كثيرا في تشابه جرائم الإبادة التي قام بها الأوربيون ( خصوصا الإسبان والفرنسيون والإنجليز) ضد السكان الأصليين في الأمريكيتين، وما قام به الاحتلال البلجيكي في الكونغو ، وكل القوى الاستعمارية في البلاد التي احتلتها، في إفريقيا وآسيا، والجريمة الكبرى بالقنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي باليابان التي اقترفها الأمريكيون، وما يقوم به الصهيانة اليوم على مرأى ومسمع العالم من جرائم حرب وإبادة جماعية. وعند الدراسة علمت بأن ثمة قاعدة فكرية وفلسفية واحدة شكلت هذه العقلية الإجرامية.

كنت بصدد تتبع التطور الفلسفي في العلاقة بين رجال العلم والفلسفة، والمسيحية، منذ القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر، فوجدت أن أغلبية الفلاسفة، سواء كانوا مسيحيين يدافعون عن المعتقدات الدينية أو ملاحدة أو ربوبيين ( يؤمنون بمسبب للكون دون الإيمان بالأديان) يشجعون حركة الاستعمار، وكثير منهم يبررون الإبادة إما دينيا أو فلسفيا.

ومما شدني إلى فكرة ربط أحداث ماي بالأبعاد الفلسفية والدينية للحضارة الغربية، نص صادم قرأته عن الفيلسوف “هربرت سبنسر” (Herbert Spencer- 1820-1903) أثناء إعداد كتاب أنا بصدد تأليفه عن “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”. يقول سبنسر في هذا النص، وهو يجيب عن موقفه من الاستعمار وقتل الشعوب المحتلة: “إذا قيل إننا، على طريقة العبرانيين الذين كانوا يعتقدون أن من حقهم الاستيلاء على الأراضي التي وعدهم الله بها، بل وإبادة سكانها أحيانًا، نقوم نحن أيضًا ـ استجابةً لما نراه إرادةً ظاهرة للعناية الإلهية ـ بتجريد الأجناس الدنيا من أراضيها كلما احتجنا إلى تلك الأراضي، فيمكن الرد بأننا، على الأقل، لا نقتل إلا من يكون من الضروري قتله، ونُبقي على حياة الذين يخضعون”.

والمفارقة في هذا النص أن سبنسر يعبر عن شخصية ازدواجية، تشبه نفاق القادة الصهاينة والغربيين اليوم الذين يعلنون عن دفاعهم عن الحرية والديمقراطية ولكن يشجعون الاستبداد ويحتلون الشعوب ويقترفون المجازر في حقهم.

ف”هربرت سبنسر” ليبرالي متطرف يظهر اعتراضه للتوسع الامبريالي لأغراض سياسية تتعلق بمواقفه ضد الدولة المسيطرة، ولكنه عنصري يؤمن بأن “البقاء للأقوى” وهو المؤسس الأول لفكرة الارتقاء والتطور في الجانب الاجتماعي قبل اشتهار الفكرة في الجانب البيولوجي مع داروين، فهو على هذا الأساس يعتبر بأن أخذ الشعوب المتطورة لأراضي الشعوب المتخلفة أمر طبيعي وإن قاوموا الاحتلال وجب قتلهم حتى يخضعوا.

ويذكرنا سبنسر في هذه المقولة بأن الجرائم العبرانية في حق غيرهم مبررة في ديانتهم بالأمر الإلهي لأخذ بلدان غيرهم.

وحينما نتابع موقف الدينيين وغير الدينيين نجدهم جميعا على ذات النهج:

ففي الديانة “اليه&ود”ي..ة” المتحالفة اليوم مع المسيحية الإنجيليّة تُعدّ الإبادة وقتل الأطفال والنساء وتدمير المدن ذات خلفية تلمودية صار يُعلن عنها صراحة، وتُقرأ نصوصها على الجنود وفي وسائل الإعلام، وقد كُتب في ذلك الكثير فلا داعي للوقوف عنده.

وأما في المسيحية، فإن الفتوى بقتل الشعوب المحتَلة بدأت مبكرا مع القديس أغسطينوس (Saint Augustin – 354-440)، وهو من أبرز اللاهوتيين الذين ثبَّتوا عقيدة التثليث عبر كتابه المشهور “عن الثالوث” (De Trinitate)، فكان نوميديا مواليا لعقيدة المحتلين الرومانيين الأجانب وسندا لهم بالفتوى الدينية لاضطهاد وقتل أبناء بلده “الدوناتيين” الذين بقوا على التوحيد، باستخدام نصوص من إنجيل لوقا: ” أكرهوهم على الدخول (Compelle Intrare- 23/14)”.

وكان دوره حاسما ضد ثورة الشباب “الدوّارين” أتباع المسيحية الوطنية تحت قيادة القس “دوناتوس”، الذين كانوا يهجمون على المزارع الرومانية ويعطون ما يأخذونه للفقراء من أبناء بلدهم. ولو لا فتاوى أوغسطينوس ( الذي يحتفي به بعض الجزائريين دون معرفتهم للتاريخ أو إرضاء للقوة المتغلبة) وما تبعها من قتل جماعي واضطهاد شديد لانزاح الاحتلال الروماني قبل أن ينهي وجودهم الوندال لاحقا في معركة قُتل فيها “أوغسطينوس” دفاعا عن روما.

وأثناء مرحلة الاستكشاف للقارة الأمريكية لعبت الكنائس المسيحية ( الكاثوليكية والبروتستانتية) دورا محوريا في إبادة واضطهاد السكان الأصليين. ففي القرن الخامس عشر، أصدر البابوات “مراسيم بابوية” ( Inter Caetera عام 1493) تمنح الملوك الأوروبيين (الإسبان والبرتغاليين) الحق في غزو الأراضي غير المسيحية واستعمارها، وإخضاع سكانها، معتبرة أن هذه الأراضي هي “ممتلكات لا صاحب لها” (Terra nullius) لأنها لا تتبع للمسيحية، مما أضفى شرعية دينية على الاستيلاء على الأراضي وإبادة السكان.

كما استخدم المستعمرون البيض، النصوص الدينية البروتستانتية، خاصة للطائفة البيوريتانية (التطهريون) في أمريكا الشمالية، لتبرير “حرب الإبادة” ضد السكان الأصليين، معتبرين أنفسهم “شعب الله المختار” وأن السكان الأصليين هم عقبة أمام تحقيق الوعد الإلهي.

كما تسببت “المدارس الداخلية” والتبشير القسري مأساة لا تخطر على البال لأجيال من السكان الأصليين، خاصة في كندا والولايات المتحدة. وتحت الضغوط المتصاعدة من ممثلي السكان الأصليين ومنظمات ذاكرة الحرية اعترف البابا السابق “فرانسيس” عام 2022 بجرائم الكنيسة في تلك المراحل وأصدرت البابوية عام 2023 وثيقة رسمية اعتذارية بهذا الشأن.

وما حدث من تبرير لجرائم الاحتلال من قبل المسيحية في امريكا وقع في كل البلدان المحتلة في الهند والدول الآسيوية الأخرى وفي أفريقيا. وفي الجزائر شارك في احتلال الجزائر 200 فارس من فرسان مالطا الصليبيين، ونالت حملة الاحتلال بركة البابا، وسُمي الجنود الفرنسيون ب “جنود المسيح”، ثم كان الأساقفة والرهبان الأذرع الدينية للاحتلال الفرنسي للجزائر والتبرير لجرائمه والجوسسة والتنصير والمحو الثقافي، أمثال “الكاردينال شارل لافيجري” ( Charles Martial Lavigerie- 1825-1892)، و”الراهب شارل دوفوكو” ( Charles de Foucault- 1858-1926).

أما عن الفلاسفة فإن تبرير الاستعمار والاضطهاد والاسترقاق بدأ مبكرا في الفكر الغربي مع أرسطو وفق مفهومه لـ”العبيد بالطبيعة” الذين يفتقدون للعقل المدبر ولا يصلحون إلا لخدمة الأسياد، وقد مثلت فلسفته غطاء لسحق السكان الأصليين في أمريكا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

وقد يندهش القارئ حينما يعلم بأن منظري العقد الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك القرون وما بعدها هم أنفسهم الذين نظّروا للاحتلال وبرروا الإبادة، فهذا جون لوك (1632-1704 John Locke) الإنجليزي، أب الليبرالية والمنادي بالحقوق المدنية، دعم مصادرة أراضي السكان الأصليين في أمريكا بحجة أنها أراض فارغة لا مالك لها ـ كما هي الرواية الص&هي..ون”ية المعاصرة ـ ووصف أصحاب الأرض بـ”الوحوش الضارية” التي يجوز القضاء عليها مثل الأسود والنمور إذا قاومت التوسع الاستعماري، كما ساهم في كتابة دساتير الولايات الأمريكية التي منحت السلطة المطلقة للأسياد على العبيد المختطفين أحرارا من إفريقيا، وكان هو ذاته مساهما في الشركات التي تتاجر بالعبيد.

وهذا هيغل (1770-1831 Georg Wilhelm Friedrich Hegel) الألماني، صاحب النظرية الفلسفية الأخلاقية، اعتبر الأفارقة والهنود شعوبا بدائية خارج التاريخ لا تدرك معنى الحرية، وأن استعمارها ضرورة لإدخالها عالم الحضارة. كما سار إيمانويل كانت (1724-1804 Immanuel Kant) ودافيد هيوم (1711-1776 David Hume) على الاتجاه العنصري ذاته، إذ تحدثا عن تفوق العرق الأبيض واعتبرا الشعوب غير الأوروبية أقل قدرة على العقل والتنظيم والمدنية.

ثم جاء هربرت سبنسر (1820-1903 Herbert Spencer) صاحب النظرية التطورية الاجتماعية ليمنح الاستعمار بعدا “علميا” عبر فكرة “البقاء للأصلح” كما بيناه أعلاه، فاعتبر هيمنة الشعوب القوية على الضعيفة نتيجة طبيعية للتطور التاريخي، وبرر الاستيلاء على أراضي “الأعراق الدنيا” وقتل المقاومين منهم عند الضرورة.

أما جون ستيوارت ميل (1806-1873 John Stuart Mill)، المنظّر الشهير للحرية الفردية، فقد رأى أن الحرية لا تصلح إلا للشعوب “المتحضرة”، وأن الشعوب المتخلفة يجوز إخضاعها بالحكم الاستبدادي حتى تتعلم المدنية، وقد عمل بنفسه في شركة الهند الشرقية البريطانية التي أدارت استعمار الهند ونهبها.

وهذا أوغست كونت (1798-1857 Auguste Comte) مؤسس الفلسفة الوضعية اعتبر الحضارة الأوروبية أعلى مراحل تطور الإنسانية، ومنح الاستعمار الأوروبي صورة “الرسالة الحضارية” تجاه الشعوب الأخرى.

أما الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Alexis De Tocqueville – 1835-1859) فقد عبّر عن الوجه البشع لليبرالية وتناقضه المقزز مع دعواته للديمقراطية في أشهر مؤلفاته، تماما كما هو حال الليبرالية الغربية، فهو الذي دعا إلى احتلال الجزائر لأغراض توسعية مكشوفة لدعم مكانة فرنسا أمام الدول، ودافع عن ذلك في البرلمان الفرنسي، ولم يكتف بالاحتلال العسكري فدعا إلى استيطان إحلالي للسيطرة من خلال تغيير الديمغرافية، وتبنى في كتاباته ومنها كتاب ” عمل عن الجزائر” عام 1841 سياسة إجرامية داعيا إلى استعمال القتل والإبادة لفرض الوجود الاستعماري، ونظّر لتفكيك المجتمع الجزائري، والفصل بين مكوناته وضرب وحدته

 

أما إرنست رينان (1823-1892 Ernest Renan) فقد دافع صراحة عن تفوق العرق الأوروبي وعن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وقسم البشرية إلى أعراق عليا وأخرى دنيا.

ثم جاء آرثر دو غوبينو (1816-1882 Arthur de Gobineau) صاحب نظرية “تفاوت الأجناس البشرية” ليضع الأساس الفكري لنظريات التفوق العرقي الآري، قبل أن يعمق هيوستن ستيوارت تشامبرلين (1855-1927 Houston Stewart Chamberlain) هذه الرؤية ويجعل من العرق الجرماني مركز الحضارة الإنسانية.

وحتى تشارلز داروين (1809-1882 Charles Darwin)، رغم أن نظريته كانت بيولوجية في أصلها، فإن “الداروينية الاجتماعية” التي تعضّدت بها “الداروينية الاجتماعية” نقلت فكرة الانتقاء الطبيعي إلى المجتمعات البشرية، فصار الاستعمار وإقصاء الشعوب الضعيفة وحتى إبادتها يُقدَّم كنتيجة طبيعية لصراع البقاء.

ثم جاء فرانسيس غالتون (1822-1911 Francis Galton) مؤسس “تحسين النسل” ليدعو إلى تشجيع تكاثر “الأعراق المتفوقة” والحد من تكاثر “الأعراق الدنيا”، وهي الأفكار التي تحولت لاحقا إلى سياسات عنصرية وإبادية في أوروبا وأمريكا.

وهكذا يتبين أن طبقات واسعة من رواد الفلسفة الغربية الحديثة التي رفعت شعارات الحرية والعقل والإنسانية كانوا في الوقت نفسه يوفرون الغطاء الفكري للاستعمار والعبودية وسحق الشعوب الأصلية باسم الحضارة والتقدم والتاريخ.

ولكل هذا، لا عجب أن يسجل التاريخ جرائم بالحجم الفضيع والمروع كما حدث في الثامن من ماي 1945، فالعقلية الغربية عقلية إجرامية، في كل مكان في الأرض، بأبعادها المسيحية واليهودية والإلحادية والربوبية، مقتنعة بأن ما تقترفه في حق الشعوب، من إبادة في حق الرجال والنساء والأطفال، وتدمير للبيوت والمنشآت المدنية هو عمل طبيعي، بل ضروري. وهؤلاء هم الممكنون في بلدانهم، وخطهم الإجرامي هو الخط الثابت المسيطر الذي لا توقفه أصوات الأحرار وأصحاب الضمائر من شعوبهم الذين لا قرار لهم ولا مكنة. فكيف يُتوقع الوصول إلى حل مع قادة هذا هو تكوينهم وهذه قناعاتهم سوى مقاومتهم وإخضاعهم لإرادة الشعوب؟ وهل يُتوقع أن يكون للأصوات الحرة من فاعلية إن لم تتناغم معهم مقاومة الشعوب المحتلة والمضطهدة؟

عبد الرزاق مقري.