لم تكن تلك استراتيجية “الردع بالحرمان” التي انتهجتها الولايات الأمريكية ضد الصين بعد تعثر استراتيجية “المنافسة” خافية إلا على الذين لا يتابعون تصريحات الطبقة القيادية المحيطة بترمب أو الذين لا يأخذون تصريحات هؤلاء مأخذ الجد قبل أن يتحول قولهم إلى فعل. ففي السابع من مارس الحالي، أعلن “جارود أيغن”، المدير التنفيذي لمجلس الهيمنة على الطاقة في البيت الأبيض، على شاشة فوكس بيزنس: ” في نهاية المطاف، لن نضطر إلى القلق بشأن مشكلات مضيق هرمز، لأنّنا سننتزع كلّ النفط من أيدي الإرهابيين”، وها هو ترمب يصرح بالتحضير لعملية عسكرية بغرض السيطرة على مضيق هرمز ويحاول أن يجر معه دولا أخرى تستعمل المضيق لمرور بضائعها، من أجل المشاركة في الكلفة و بغرض المشهدية السياسية.
إن الاستراتيجية التي يعتمدها ترامب وفريقه لإعاقة الصين أو ل“ردعها بالحرمان” تقوم على الأسس التالية:
أولا – حرمان الصين من النفط، أو إعطاؤها إياه بإرادة أمريكا وعن طريقها، وهذا الذي صرّح به ترمب بشكل واضح أثناء اقتحامه فنزويلا وسيطرته على القرار الطاقوي في هذا البلد حيث قال: “نرحب بالصين ويمكن أن نصل إلى اتفاق عظيم بشأن حصولها على نفط فينزويلا” ، فهو إذن الذي يتفق مع الصين بشأن نفط فينزويلا!.
وهو كذلك ما ذكره جارود أيغن، المشار إليه أعلاه، بشأن نفط إيران، وما يخطط له ترمب للسيطرة على جزيرة خرْج الإيرانية (التي يمر عليها 90% من النفط الإيراني)، بشكل مباشر أو عبر حكام إيرانيين جدد موالين لأمريكا.
لقد كانت الصين تأخذ 68% من نفط فينزويلا بأسعار رخيصة (144 مليون برميل عام 2023) ضمن ترتيبات سداد ديون فينزويلا للصين المتراكمة كقروض مستحقة بنحو 19 مليار دولار ضختها الصين في استثمارات وهياكل قاعدية. وهي تستورد في حدود 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني (عام 2025) يصل إليها بأسعار رخيصة تحت أعلام مزيفة للتحايل على العقوبات.
إن الضرر الذي يصيب الصين سيكون كبيرا إذا سيطرت الولايات الأمريكية المتحدة على نفط إيران بعد أن سيطرت على نفط فينزويلا، ضمن خطة “الردع بالحرمان” التي تنتهج ضدها.
إذا نجح العدوان الذي سمي “الغضب الملحمي” سيكون بين يدي الإدارة الأمريكية ثروة نفطية تتجاوز 30٪ من الاحتياطي العالمي ( مجموع احتياطي فنزويلا وايران). علاوة على أنه لا يستبعد أن تكون السعودية والدول الخليجية الأخرى هي المحطة الموالية التي يفرض فيها ترمب نفسه وسيطا بالإكراه لبيع نفطها للصين. علما بأن نصف واردات الصين من النفط تأتي من الشرق الأوسط ( السعودية، العراق، الإمارات، إيران، البحرين)، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم (11 مليون برميل يوميا)، وقوتها الاقتصادية تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المستوردة. فهل يعقل أن تسمح الصين بأن تقع في يد أمريكا بإسقاط إيران في حجرها؟
ثانيا – لا تكتفي الولايات الأمريكية المتحدة بحرمان الصين من حرية الوصول إلى مصادر الطاقة، وإبرام الصفقات المناسبة لها مع الدول المصدرة، بل تسعى إلى خنق حركتها التجارية كلها، بإعاقة مشروع الطريق والحرير، والسيطرة على الاختناقات الجغرافية في العالم، الحيوية بالنسبة للصين، خصوصا قناة بنما، ومضيق هرمز ومضيق مالاقا.
– أول مضيق بدأ ترمب التضييق بشأنه على الصين هو مضيق بنما، ضمن مخطط السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي وتعهُّد إدارة ترامب بـ” منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي” من السيطرة فيه على “الأصول الحيوية استراتيجياً”، وطرد الشركات الأجنبية التي تُقيم بنية تحتية مهمة هناك.
تمثل قناة بنما ممرا مائيا استراتيجيا لتجارة الصين الخارجية، بين آسيا والساحل الشرقي للأمريكتين، وتعد دولة بنما هي الدولة الأولى في القارة الأمريكية التي انضمت لمشروع الطريق والحرير، وبلغت استثمارات الصين في حدود 2.5 مليار دولار في موانئ القناة والبنية التحتية، وهي طرف شريك فاعل في إدارة القناة، عبر شركات صينية خاصة، على طرفي القناة. وقد اعتبرت الولايات الأمريكية المتحدة هذا النفوذ المتصاعد خطرا على مصالحها في المنطقة.
صرح ترمب في خطاب توليته الثانية بأن الصين تسيطر على قناة بنما، مدعيا بأن القناة هي في أصلها أمريكية منحتها الحكومة البنمية للصين، وتلتها تصريحات العديد من مسؤولي البيت الأبيض يتهمون فيها الصين بأنها تمثل خطرا أمنيا ويمكنها أن تسيطر على الملاحة البحرية عبر القناة في وقت الأزمات.
رد الرئيس البنمي ومدير القناة على هذه المزايدات، وأكدا أن الوجود الصيني ضمن اتفاقيات قانونية وأن بنما تعمل ضمن قواعد حيادية واحدة مع الجميع، ومع ذلك أفلحت الضغوطات الأمريكية حيث ألغت المحكمة العليا في بنما هذا العام عقود تشغيل ميناءين رئيسيين (بالبوا وكريستوبال) لشركة “سي كيه هاتشيسون” الصينية، وهو ما أثار حفيظة الصين فلجأت إلى المحاكم الدولية وأطلقت تهديدات شديدة اللهجة في اتجاه حكومة بنما تتنافى مع أسلوب الصين في التعامل مع القضايا الدولية، مما يؤكد تضررها من سياسة “الردع بالحرمان” الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية.
– أما عن مضيق هرمز فإن الصين تستحوذ وحدها على 37.7 ٪ من تدفقات النفط الخام الذي يمر عبره، متقدمة بفارق كبير عن أي دولة أخرى، وكانت خطة الحرب تقتضي تحكم الولايات الأمريكية المتحدة في هذا الشريان الحيوي للصين من خلال حكومة إيرانية موالية بعد إسقاط النظام أو استسلامه. غير أن العدوان لم يحقق هدفه إلى الآن، بل صارت إيران هي المتحكمة في حركة المرور البحري في المضيق.
لم يكن في خطط الأمريكيين وقف تدفقات النفط الإيراني، بل المحافظة عليه، وضمان استمرار إنتاجه ثم التحكم فيه وفي تدفقاته وتدفقات النفط الخليجي تجاه الصين عبر التحكم في مضيق هرمز، فإذا بالمضيق يتحول إلى سلاح في يد إيران صنعت به أزمة اقتصادية عالمية بات الجميع يحمل البيت الأبيض مسؤوليتها.
يحاول ترمب حل هذه المشكلة باحتلال مضيق هرمز، ولكنه يعلم بأن الأمر ليس سهلا، فقد حاول حل مشكلة باب المندب بالقوة ضد الحوثيين فلم يفلح حتى اضطرّ إلى التفاوض. وهو يحاول تشكيل تحالف دولي للسيطرة على المضيق، وقد يكون ذلك فرصة لترقيع حالة غياب الشرعية الدولية لحربه على إيران. غير أنه لم يتلق استجابة من أي دولة إلى الآن، وقد ذكّره وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن بعثة “أسبيدس” البحرية التي شكلها الاتحاد الأوربي لم تكن فعالة في تنفيذ مهمتها في حماية باب المندب فقال: “لهذا السبب فأنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن“.
وهذا الإخفاق هو الذي جعل ترمب ينتقل إلى التهديد باحتلال جزيرة خرج الإيرانية، عبر تدمير دفاعاتها العسكرية مع الحفاظ على البنية التحتية النفطية. ولكن ايران ردت بالتهديد بأنه في حال حدوث مثل هذا العدوان، سيتم إحراق وتدمير كافة البنى التحتية للنفط والغاز في المنطقة، والتي تستفيد منها أمريكا وحلفاؤها الغربيون”، وعليه ستتعاظم الأزمة الاقتصادية العالمية، علما بأن كثيرا من الاقتصاديين في العالم حذروا بأن العالم مقبل على أزمة عالمية أخطر من أزمة 2008 بسبب استمرار الحرب وتداعيات ارتفاع أسعار البترول وتعذر التجارة العالمية.
– أما عن مضيق مالاقا فهو أزحم ممر مائي في العالم، يمتد طولا إلى 805 كلم، وعرضا بين حوالي 60 و250 كلم بين أندنوسيا وماليزيا، وتطل عليه كذلك سنغافوريا في مخرجه الشرقي. تمر عبره 100 ألف سفينة في العام، يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، وتمر حوله 80٪ من واردات الصين واليابان من النفط.
يمثل المضيق معضلة للصينينين، يسمونها “معضلة ملاقا”، بسبب تواجد الأسطول السابع الأمريكي في جواره وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية، خصوصا في سنغافوريا، وكون الدول الثلاثة المطلة عليه صديقة لواشنطن ( أندنوسيا، ماليزيا) أو حليفة ( سنغافورة )، مما يهدد الواردات الصينية في حال حدوث حرب أو اضطرابات دولية. لذلك تسعى الصين للبحث عن موصلات برية بديلة عبر دول صديقة أو شريكة في مشروع الطريق والحرير.
ربما يمثل ثبات إيران في الحرب القائمة، وقدرتها على ضرب البوارج الأمريكية، وإخراج حاملة الطائرات أبراهام لينكلن من الخدمة، حسب التصريح الإيراني، أفقا جديدا سيخفف من حدة “معضلة مالاقا”، إذ بينت هذه الحرب أن حاملات الطائرات الأمريكية وقوتها العسكرية الجبّارة صُممت لزمن أضعفت التكنولوجية العسكرية المتطورة أهميتها، وصارت أسلحة زهيدة الثمن تعجز قدرات عسكرية باهضة الثمن.
لو كنا في زمن سابق لأدى العدوان على إيران إلى حرب عالمية ثالثة بشكل سريع ومباشر، ولكن التطور التكنولوجي أصبح يتيح خوض الحروب بالوكالة بكفاءة عالية.
ولكل ما سبق يُفهم أهمية، بل ضرورة، تدخل الصين إلى جانب إيران ضد الولايات الأمريكية المتحدة، دون الحاجة إلى إظهار ذلك، لتجنب الحرب العالمية. ويبدو – بالفعل – أن أمريكا وقعت في ورطة كبيرة، وأن نهاية الحرب دون أن تحقق هدف السيطرة على إيران سيغير العالم بشكل سريع وعميق … مهما كان ادعاء ترمب تحقيقه النصر الكامل.
يتبع …
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com