الصين، روسيا، العدوان الصهيو- أمريكي على إيران (1)

تاريخ النشر :

2026-03-14

التصنيف :

العالم

تعجّب كثير من المتابعين عن عدم استعمال الصين وروسيا حق النقض بخصوص قرار مجلس الأمن الذي أدان الضربات الإيرانية للأردن ودول الخليج. وفي حقيقة الأمر لا يوجد ما يُتعحب منه، فالصين هي أكبر زبون للملكة العربية السعودية في مجال المحروقات، وهي الدولة التي نجحت في التقريب بين إيران والسعودية عبر اتفاق بكين، والإمارات العربية المتحدة هي الدولة الوسيط في التهرب من الحصار المضروب على روسيا من خلال آلية إعادة  تصدير البضائع الروسية وضمان توريدها روسيا  مواد أساسية تحتاجها. وللصين وروسيا كلاهما علاقات جيدة جدا مع دول الخليج في مختلف المجالات، وكان لهما دور كبير في ادخال المملكة العربية السعودية والاتحاد الإماراتي لمنظمة البريكس،  ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغامر هاتان الدولتان بمصالحهما المتشابكة مع الدول الخليجية باستعمال حق النقض ضدها. 

ولكن هل هذا يلغي ما هو شائع بأن الصين وروسيا يقدمان دعما كبيرا لإيران في حربها ضد الولايات والأمريكية المتحدة والكيان الصهيونى؟ فالجواب أن تحليل الخلفيات الاستراتيجية للعدوان تؤكد أن هذه الحرب ليست مصيرية لايران فقط بل لروسيا والصين كذلك، وخاصة الصين. ولذلك تلجأ الصين وروسيا إلى الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن لكي لا يخسران الأصدقاء العرب،  ولكن في نفس الوقت يقدمان دعما مهما لإيران لا يمكن إثباته، خصوصا في مجال الاستخبارات وإحداثيات الضربات الصاروخية وأهداف الهجومات بالمسيرات، وفي شراء النفط الإيراني ما أمكن، وفي المجال الدبلوماسي. 

لا شك أن تأثير اللوبي الصهيوني والتيار المسيحي الإنجيلي دور كبير في اندلاع الحرب، فنتنياهو يخطط لضرب إيران منذ سنوات طويلة، وحاول مرارا دفع أوباما وبايدن لتحقيق ذلك وفشل، وهو يرى أن إيران تمثل،  مع حلفائها  في المنطقة، تهديدا وجوديا وعائقا أساسيا لتحقيق مشروعه التوسعي، وأن النجاح في تغيير النظام أو تمزيق البلد يصنع منه الملك الأبديّ التاريخيّ للكيان، ومن جهة أخرى دفع التيار الديني الإنجيلي في أمريكا إلى الحرب لأسباب دينية وأوهام اعتقادية ضرورة قيام دولة إسرائيل لتكون حرب مقدسة يُقتل فيها أعداد عظيمة من اليهود من أجل عودة المسيح. 

بينما يضغط هذا التيار المؤثر، بجناحيه، بأمواله الطائلة على رجل الأعمال ترمب، يضغط المنتسبون إلى تيار “ماغا” بقوتهم الانتخابية على الرئيس الذي انتخبوه وتوجوه رئيسا إذ وعدهم بأنه سيهتم بأمريكا أولا لتكون قوية بالقوة الاقتصادية والعلم وخدمة المواطن الأمريكي. 

بقي ترمب يتلاعب بالتيارين المتعارضين حوله إلى أن قرر القيام بعملية عسكرية ضخمة وسريعة تؤدي إلى إسقاط النظام على “النهج الفنزويلي” بثورة شعبية أو انقلاب عسكري من داخل النظام، فيُرضي اللوبي الصهيوني “الذي يبدو أن الحرب حربه” ويعود لإرضاء التيار المعارض للحرب بمسوغات “أخلاقية” تتعلق ب”جعل أمريكا أقوى” بتكلفة حربية قليلة وقصيرة.

إن هذا التحليل الذي يميل إليه كثير من الكتّاب والمحللين صحيح، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالتأثير الصهيوني استغل وضعا استراتيجيا معينا يتعلق بالصين، يدور حوله نقاش كبير في مراكز صنع القرار  وقادة المؤسسات. 

لقد كانت تدخلات اليهود الصهاينة  حاسمة في التعجيل  بإيقاد نار الحرب، ضمن بيئة مسيحية صهيونية مؤثرة حول الرئيس الأمريكي، وفي سياق نرجسيةٍ وانفعالية مشهودة للرئيس البرتقالي على اثر نجاحه في غزوة كراكاس. ولكن كان ذلك ضمن توجهات متصاعدة عند بعض صانعي السياسات في التيار اليميني الأمريكي بأنه لا بد من استبدال ” استراتيجية المنافسة” مع الصين، ب”استراتيجية الإعاقة” للصعود الصيني. 

في المقال المقبل نتابع كيف تم ذلك. 

يتبع …

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية