عن العدوان على إيران: سيناريوهات المآل.

تاريخ النشر :

2026-02-28

التصنيف :

العالم

لم يكن قرار الحرب سهلا على ترامب، فقد اتخذه وصفّه منقسم بين إرادتين: ارادة المعارضين للحرب داخل حاضنته الاجتماعية ( الماغا) التي وعدها بالاهتمام بأمريكا أولا، وإرادة الداعين للحرب داخل اللوبي الصهيوني الداعم له ماليا والمتحكم في ملفات فضائحه في قضية ابشتاين.

إن الحرب حرب تلمودية  يشير إلى ذلك الدلالة الرمزية الدينية لليوم الذي تم اختياره لبدء العدوان، وصاحب القرار الحقيقي للحرب هو الكيان الصهيوني. وهذه الحرب خطوة حاسمة  لتحقيق حلم إسرائيل التوسعي كما عبّر عنه “نتنياهو” وحلفاؤه اليمينيون صراحة، وأكّده سفير الولايات الأمريكية في تل أبيب “مايك هاكابي” وثبّته يائير  لبيد رأس المعارضة اليسارية  الصهيونية.

ولكي يمضي في هذا الحلم عليه أن يلغي كل تهديد محتمل على الكيان، والتهديد الأول حاليا هي الصواريخ البالستية الإيرانية، فهي السبب العسكري الرئيسي للحرب هذه المرة، وليس الملف النووي، إذ عند عدم رضوخ الإيرانيين للضغط من أجل تدمير صواريخها تم اتخاذ قرار ضربها.

إنه إذا نجحت الخطة الإسرائيلية في تدمير النظام الإيراني بعضلات أمريكية، سيتم التوجه لإلغاء  التهديد السني  المتمثل أساسا في تركيا والسعودية ومصر  وباكستان، بأي شكل من الأشكال، بما يجعل مشروع التوسع ممكنا .

لقد أعلن نتنياهو عن هذه الخطة بوضوح في خطاب مسجل له،  حيث تحدث عن تفكيك المحور السني بعد إضعاف إيران. وبعدئذ سيتم إخضاع المنطقة كلها للإرادة الصهيونية الأمريكية، ويكون حكام العالم الإسلامي، جميعهم،  مسؤولين عن سقوطهم وسقوط بلدانهم، وذلك منذ اليوم الذي تخلوا فيه عن إيران وسلّموها للعدوان الذي تتعرض إليه.

ولكن هل سينجح الصهاينة المسيحيون، والصهاينة اليهود في هذا المخطط؟ هل سيسيطرون على إيران ونظامها ومقدراتها؟

هناك عوامل كثيرة تحكم المآل الذي ستصير إليه الأمور ومنها:

– جدية ترامب في الحرب، هل هو منخرط في الحرب خدمة لإسرائيل إلى الآخر، أم أنها مناورة فقط لاستيعاب ضغوطات الصهيانة عليه وابتزازهم له؟ ومدى الجاهزية العسكرية للولايات الأمريكية المتحدة للمضي إلى حرب مدمرة أو طويلة المدى؟

– الأطراف التي ستدخل في الحرب، سواء مع الولايات الأمريكية المتحدة، وأساسا الجيوش الأوربية، أو مع إيران، وأساسا الصين وروسيا وبعض دول العالم العربي والإسلامي.

– مدى قدرة إيران على الرد، ومدى مستوى الأذى الذي تلحقه بالإسرائيليين والمصالح الأمريكية، ومدى صمودها وجاهزيتها لتحمل ضربات العدو وأعباء الحرب المختلفة.

– مدى حجم الاختراق الأمني الذي قد يتعرض له النظام الإيراني.

– مدى تماسك وصمود الشعب الإيراني وبقاؤه موحدا حول قيادة دولته.

– هل ستتحول المواجهة الصاروخيّة إلى مواجهة برية أم لا.

– مدى قدرة الكيان الصهيونى على اعتراض الصواريخ الإيرانية، ومدى قدرته على الصمود، ومدى تحمل جبهته الداخلية للخسائر.

– مدى فاعلية الحراك الدبلوماسي الدولي لوقف الحرب.

من هذه العوامل المؤثرة في مجريات الحرب ثمة عاملان أساسيان هما الأكثر أهمية. الأول هو عامل الجبهة الداخلية الإيرانية، وهو أساس الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية. ويؤكد ذلك مضمون خطاب نتنياهو مباشرة بعد بدء العدوان حيث دعا الشعب الإيراني لكي ينتفض ضد النظام الحاكم، وقبله الغضب الشديد الذي عبّر عنه دعاة الحرب في أمريكا بسبب تأخر بدء العدوان مع الاحتجاجات الشعبية التي وقعت قبل أسابيع، وقد صرّح بذلك السيناتور الأمريكي “ليندسي غراهام”، بلا مواربة، موجها لوما شديدا، بل تهديدا، للدول العربية والإسلامية التي ضغطت على ترامب – حسب تصريحه –  لمنع الحربً ، وكان يقصد تركيا والسعودية.

ولا أظن أن هذه الخطة ستنجح، إذ برهن الشعب الإيراني على قدرته على تجاوز خلافاته أثناء الحرب، وأن العملاء سيخشون من القتل، والفتك بهم، في الشوارع، من طرف الجيش والشعب كلاهما.

أما العامل الثاني فهو الاختراق الأمني، واحتمال وقوع انقلاب من داخل النظام يؤدي إلى مفاوضات تنهي الحرب على الشروط الأمريكية الإسرائيلية. ولكن يُعتقد أن النظام الإيراني استفاد كثيرا من الاختراقات التي عرفها في حرب الإثني عشر يوما، وأنه بات متحكما تقريبا في الأمر، وأنه مهما كانت الاختراقات لن تستطيع تجاوز الجدار الأيديولوجي للحرس الثوري، ومؤسسات أمنية أخرى.

فإذا فشل الجيش الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق الاختراق الداخلي المأمول فسيجد نفسه في مأزق، لأنه لن تُحسم المعركة لصالحه من خلال القصف الجوي وحده، مهما كانت الخسائر التي ستلحق بإيران. وسيضطر عنده إما للتفاوض من أجل حلول وسطى، أو الدخول العسكري البري المباشر. فإذا تورط في الدخول البري سيخسر المعركة، حتى لو شكل تحالفا واسعا من الأوربيين وبعض الدول العربية، بل حتى لو أسقط النظام. فهو في هذه الحالة يكرر تجاربه الفاشلة في الصومال والعراق وأفغانستان. ويكون هذا الفخ في صالح الصين وروسيا، ولا يستبعد أن “يأمل” هاذان البلدان أن جر غريمهما إلى هذا المستنقع.

 

د. عبد الرزاق مقري

3 تعليقات

  • من كلامك دكتور نفهم انه هذه الخطوة كانت مدروسة من قبل وكان متوقع او نقول كان مجهز لها والدول اللي تم استهدافها من قبل ايران الدول الخليجية كانت تعلم انه سيتم استهداف القواعد وسمحت باختراق المجال الجوي عن طواعية من بين هذه الدول الوحيدة التي ستجر الى الحرب هي السعودية و مصر وباكستان مع انه لم يتم استهداف هذين الأخيرين..
    تحليلك للوضع يجعل من الخطة مكشوفة يعني ليس من الغباء ان تنجر هذه الدول وراء فخ تم الاعلان عنه مسبقا امام العالم السعودية الان تقول انها ستتخذ ردا على العدوان الايراني و قبل فترة تم تطبيع العلاقات السعودية الايرانية..
    في رايك كيف سيكون الرد السعودي لاني استبعد جدا احتمال دخولها في حرب علنية على ايران وسيكتفون بالتنديد والتهديد فقط لانهم في غنى عن المجازفة وهم يعرفون انهم المستهدف الثاني وراء ايران.

  • الحسم الجوي دون اختراق داخلي حقيقي داخلي بإيران غير كافٍ، والاختراق الداخلي في نظام مؤدلج ومنضبط أمنياً احتمال معقد، والتدخل البري مخاطرة استراتيجية عالية الكلفة. لذلك يبقى السيناريو الأرجح هو صراع محدود مضبوط الإيقاع، يتخلله ضغط عسكري ورسائل ردع متبادلة، يعقبه مسار تفاوضي بشروط معدلة، لا حرباً وجودية شاملة تعيد رسم خرائط المنطقة دفعة واحدة.
    والله اعلم

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية