التخلي عن الواجب خوفا من ضياع المكتسبات (2)

تاريخ النشر :

2025-09-09

التصنيف :

الجزائر

التعسق في استعمال صلح الحديبية:

يستعمل  القادة بعض القادة كثيرا أحداث صلح الحديبية في إقناع أتباعهم بالتنازلات الخادمة لتكتيكاتهم الآنية والمضرة باستراتيجياتهم بعيدة المدى.

لقد اضطرّ رسول الله صلى عليه وسلم أن يقدم في صلح الحديبية تنازلات كبيرة للحفاظ على الدعوة واستمرار المسيرة، ومن ذلك القبول بحرية من يرتد عن الإسلام  والتحاقه بالكفار في  مكة فلا يردوه، وتسليم من يسلم ويهاجر  صوب المدينة إلى قريش.

أسلم أبو بصير ( عتبة بن أسيد) في مكة ولكن حين هاجر إلى المدينة أرسلت قريش رجلين لطلبه  فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم معهما وفق الاتفاق، وأثناء الطريق قتل أبو بصير  أحدهما وعاد إلى المدينة يتوسل رسول الله ألا يرده إلى الكفار يفتنوه عن دينه، فقال له:  (يا أبا بصير، انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا)،  و حين سمع أبو بصير المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول عنه: “ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه أحد”. ففهم الرسالة بأن لا مُقام له في المدينة وأنه عليه أن يبحث له عن دور خارجها يكون لصالح المسلمين.

انطلق هذا البطل خارج المدينة فورا، وتمركز  على ساحل البحر الأحمر في منطقة تسمى سيف البحر، وبات كل من سمع إيحاء رسول الله لا يأتي إليه حين يُسلم بل يلتحق بأبي بصير، حتى صار جمعهم جيشا قوامه ثلاثمائة رجل يغيرون  على قوافل قريش يقتلون من فيها ويأخذون أحمالها. وممن التحق به  الصحابي الجليل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ومعه سبعون فارسا ممن أسلم بعد الحديبية، وسهيل  بن عمرو أبوه هو مفاوض قريش في الصلح، أخذ ابنه  بنفسه من بين يدي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي جندل حين استغاثه: (( اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا))،

لقد كانت هذه المبادرة الاستراتيجية، من أبي بصير وأبي جندل، التي لا تتحمل جماعة المسلمين في المدينة عبأها هي المخرج والفرج، ليس لأصحابها فقط بل للجماعة كلها ولمستقبل الإسلام.

فبعد أن تضررت قريش من فاعلية هؤلاء الشباب الأبطال الذين صنعوا مصيرهم بأيديهم، دون أخذ الإذن من الجماعة ومن الرسول القائد، جاءت تتوسل إلى رسول الله أن يُسقط ذلك البند الظالم وأن يُبقي عنده من يأتي إليه مسلما، فأرجع المصطفى عليه الصلاة والسلام أبطال جيش أبي بصير  وأبي جندل إلى الجماعة في المدينة معززين مكرمين،  ولم يصبح الناس، بما فعله هؤلاء،  يخافون من بطش قريش فكثر الوافدون على الإسلام جهارا وما هي إلا  سنتان حتى نقضت قريش الصلح فأدى ذلك إلى فتح مكة ونهاية حكم الشرك فيها.

إن العبرة الأساسية التي نستشفها من هذا الحدث في السيرة النبوية في الرد على من يريد كتم أنفاس الأتباع، خصوصا الشباب، ليكون الناس جميعا على عقليتهم ونمطهم القيادي، بدعوى المحافظة على المكتسبات، لا يملكون الفهم الصحيح للأداء الاستراتيجي، بأن يكون على يمينهم من يمكن أن يرفعوا سقف النضال والمقاومة،  دون أن يُتهموا بالمزايدة على القادة، حتى وإن لم يستشيروا في الأمر، خصوصا في زمن الإكراهات وما دامت أعمالهم تتجه إلى نصرة الإسلام وقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

إن القائد الاستراتيجي هو الذي يكون على يمينه، من الرجال والمؤسسات،  من يجب أن يرفع السقف أكثر مما تطيقه القيادة في ظرف من الظروف، كما قد  يكون على يساره من يخفّض السقف أدنى مما يصح أن تنزل إليه القيادة، ويخوض القائد الاستراتيجي معركة الكر والفر بين هاذين السقفين بما يخدم استراتيجية الجماعة والرؤى المتوسطة والبعيدة، لا استراتيجيات الأفراد وطموحاتهم. وبذلك فقط يتم المحافظة على المكتسبات. أما الجمود على نمط واحد من الأداء والمكوث في مساحة ضيقة من الفعل هو  ذلك ما يضّيع المكتسبات، هذا الذي تعلمناه من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد شرحنا هذه الأفكار في بعض كتبنا ومقالاتنا ودرّبنا عليها أجيالا قيادية وحققت نتائج محمودة بإذن الله وتوفيقه.

٢- إن مما يرد شبهة التخلي عن الواجب والتضييق على من يقوم بالواجب خوفا من ضياع المكتسبات، أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يرتبط بالتنازل على القيام بالواجب الكامل تجاهها، وإنما يرتبط كليا بالمآل الأخير لطوفان الأقصى، فلو –  لا قدر الله- تم كسر  المقاومة والسيطرة على غزة نهائيا سيعمّم التطبيع على كل البلاد العربية والإسلامية، ومخرجات المبادرة السعودية الفرنسية في الأمم المتحدة تدل عل ذلك، وإذا وقع هذا سينتقل الدور إلى الفكرة التي أسست المقاومة في كل أنحاء العالم، وسيكون الثمن الذي تدفعه الحركة الإسلامية عندئذ فادحا يجعلها تندم على التنازلات التي قدمتها وعلى تجنب الاشتباك السلمي دفاعا عن المقاومة وأهلنا في غزة.

إن المحافظة الحقيقية على المكتسبات تتحقق حينما يعرف الحكام بأن لا سقف يحكمنا بخصوص القضية الفلسطينية، وأن التخلي عنها من قبل الأنظمة سيحوّلها الى مشكلة داخلية في كل بلد.

علاوة على أن سياسة الخوف من ضياع المكتسبات أدت إلى نتائج عكسية في العديد من تجارب الإسلاميين بشكل عام. فالحركات الإسلامية التي سايرت الأنظمة المحلية والإقليمية والقوى الدولية للحفاظ على المكتسبات تراجعت وضعفت وتم السيطرة عليها وعلى مؤسساتها من قبل الاستبداد ولم تصبح آمنة على مستقبلها وتقهقر تأثيرها، وبعضها تعرضت لانشطارات وانسحابات وفتور  واسع لدى مناضليها، حدث ذلك في المغرب والجزائر وتونس واليمن والأردن، بأشكال مختلفة وبعضها مشترك، وزاد في نفس الوقت في هذه البلدان وغيرها سيطرة الاستبداد، وتضييق هوامش الحرية،  وانتشار الفساد، وتعمّق في بعضها التطبيع وفقدان السيادة لصالح الصهاينة والقوى الاستعمارية، وتواطأت كلها على خذلان غزة واكتفت بالتصريحات والبيانات والمساعدات التي بات لا يصل أكثرها، وما وصل لا يسمن ولا تغني من جوع.

 

د. عبد الرزاق مقري

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إتصل بنا

contact@abderrazakmakri.com

النشرة البريدية