الحضارة عند مفكرين آخرين من العالم الإسلامي (علي عزت بيغوفتش، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعاتي، عبد الوهاب المسيري، محمود محمد شاكر، حسين مؤنس، عبد المجيد النار، محمد عابد الجابري، محمد أركون) 

بعد شيء من الاستفاضة في الحديث عن أفكار  عبد الرحمن ابن خلدون ومالك ابن نبي في مسألة الحضارة كشخصيتين هما الأبرز في تناول شروط صعود وأفول الأمم والحضارات من بين العلماء المسلمين، نتطرق، باقتضاب قد يكون مخلا ولكن يعطي صورة عامة، عن مساهمات عدد من المفكرين المسلمين الآخرين الذين تركوا أثرا في الساحة العلمية والفكرية في ذات الموضوع، وقد حاولنا تنويع الاختيار من عدة اتجاهات فكرية، فنقوم بعرض أهم أفكار هؤلاء بعد ما استفدناه من مساهمات ابن خلدون وابن نبي، ثم نحاول تحليل مساهماتهم  جميعا وبناء تصنيف جديد للمدارس الفكرية الإسلامية في سؤال الحضارة.

1 ـ علي عزت بيغوفيتش (1925–2003)

يرى علي عزت بيغوفيتش أن الحضارة هي ثمرة التفاعل بين الروح والمادة، وأنها لا يمكن أن تزدهر إلا حين يتحقق الانسجام بين الإيمان والعقل، وبين العلم والأخلاق. ففي كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب“، يفرّق بين الثقافة والحضارة: فالثقافة عنده تعبّر عن الحياة الداخلية للإنسان — أي عن القيم، والمعتقدات، والإبداع الفني — بينما تعبّر الحضارة عن الجانب الخارجي، أي العلم والتنظيم والتقنية، فيقول: “الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي”. الثقافة معناها “الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا”، أما الحضارة فتعني “فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة”، الثقافة هي “الخلق المستمر للذات”، أما الحضارة، فهي “التغيير المستمر للعالم”[1].

لكن الإسلام، في رأيه، يوحّد بين هذين البعدين، فلا يفصل بين الدين والدنيا، ولا بين الإنسان والعالم، بل يجمع بين التقدم المادي والسمو الأخلاقي في منظومة واحدة. ولذلك يرى بيغوفيتش أن الحضارة المادية الخالية من الروح تتحول إلى عبودية جديدة للآلة، وأن الإسلام هو الطريق إلى حضارة إنسانية متوازنة تُعيد للإنسان مكانته وكرامته.

 

2 ـ أبو الأعلى المودودي (1903 ـ 1979)

يرى المودودي أن الحضارة الإسلامية هي الإسلام ذاته فيقول أن ” هذه الحضارة جامعة بين الدنيا والدين، ولا يجوز أن يعبر عنها بكلمة الدين، حسب مفهومه الضيق. وإنما هي نظام متكامل يشمل كل ما للإنسـان من أفـكار وآراء وأعمـال وأخلاق، في حياته الفردية أو العائلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. وهي مجموعة المناهج والقوانين التي قررها الله سبحانه وتعالى لكل هذه الشؤون والشعب والمناهج المختلفة لحيـاة الإنسـان، فهي المعبر عنها بكلمة دين الإسـلام أو الحضارة الإسلامية”[2]

ويقدم المودودي دراسة بديعة عن التداول الحضاري في كتابه “نحن والحضارة الغربية”، ومما يقوله (باختصار وتصرف): لشدة ما تندهش العقول لما ترى من هذا الرقي العجيب الذي حازته أمم الغرب في ميادين السياسة والتجارة والصناعة والحرف والعلوم والفنون ليخيل إليها ان رقي هذه الأمم الغربية أبدي سرمدي، وأنه قد اختصت ـ دون غيرها ـ بالحكم على البسيط الأرضي … مثل هذا الظن قد غلب العقول في كل زمان بالنسبة إلى كل تلك الأمم التي كانت ” الأمة الغالبة” في زمانها. ففراعنة مصر، وأمتا عاد وثمود في العرب، والكلدانيون في العراق، وأكاسرة فارس، والغزاة اليونان العالميون، وملوك الروم الحاكمون، على أقطار الأرض، والمجاهدون المسلمون الفاتحون للعالم، والجنود التتر المضرمون للبلاد، كل أولئك قد مثل دور القوة والسيادة على مسرح هذه البسيطة… ولكنه لما جاء أجلُها عثرت عثرة لم ير لأكثرها وجود بعدها.. فكل كون يتبعه فساد، وكل بناء يصحبه خراب، وكل ربيع يتلوه خريف، وكل صعود بعده هبوط، وهكذا على العكس”[3].

 

3 ـ سيد قطب (1906–1966).

يرى سيد قطب أن المجتمع يكون متحضرا “حين تكون إنسانية الإنسان هي القيمة العليا في المجتمع، وحين تكون الخصائص الإنسانية فيه هي موضع التكريم والاعتبار”[4]، وأن الحضارة الحقيقية ليست في العمران المادي ولا في التقدّم التقني، بل في تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وإخضاع حياته كلها لله وحده. فالحضارة، في نظره، هي ثمرة عقيدة التوحيد حين تتحوّل إلى منهج حياة، يوجّه الفكر والعلم والسياسة والاقتصاد وفق ميزان القيم الإلهية.

في كتابه معالم في الطريق، ينتقد سيد قطب ما يسمّيه “الجاهلية الحديثة” التي تقوم على العلم بلا إيمان، والمادية بلا أخلاق، ويرى أنها حضارة منحرفة عن الفطرة لأنها تفصل بين العلم والإيمان، وبين الوسيلة والغاية. ويؤكد أن الإسلام وحده قادر على بناء حضارة متوازنة، تُوحّد بين الروح والمادة، وتمنح الإنسان معنى لوجوده وسلوكه.

فالحضارة عنده هي تسخير العلم لخدمة القيم، وإقامة العدالة على أساس التوحيد. وهي تبدأ من تحرير الضمير الإنساني قبل بناء المعامل والمصانع. لذلك يؤكد أن الإسلام لم يأتِ ليؤسس “حضارة الآلة”، بل “حضارة الإنسان”، فيقول: “حين ينهض الإنسان بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه، ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق، ويصنّع الماد الخامة، ويقيم الصناعات المتنوعة، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله، حين يصبح وهو يصنع هذا كله، “ربانيا” يقوم بالخلافة عن الله على هذا النحو ـ عبادة لله ـ يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة، فأما الإبداع المادي وحده فلا يسمى في الإسلام حضارة.”[5]

وبناء عـلى هذا “فإن المجتمع الإسلامي – وهو المجتمع الذي يطبق شريعة الله في كل جوانب الحياة – هو وحده المجتمع المتحضر. والمجتمعات الجاهلية ـ بكل صورها المتعددة ـ مجتمعات متخلفة”[6]… وحين تكون الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده ـ متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية ـ “تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررا كاملا وحقيقيا من العبودية للبشر، وتكون هذه هي الحضارة الإنسانية، لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع”[7]

لا يربط سيد قطب مستوى التحضر، بالحياة المدنية أو البدوية ـ خلافا لما ذهب إليه ابن خلدون وجل علماء الحضارةـ ويجعل معيار ذلك رقي الخصائص الإنسانية، إذ أن الإسلام يمضي في “إنشاء وتثبيت وصيانة قيمه الإنسانية، في كل المجتمعات التي يهيمن عليها، سواء كانت هذه المجتمعات في طور الزراعة، أو في طور الصناعة، وسواء كانت مجتمعات بدوية تعيش على الرعي، أو مجتمعات حضرية مستقرة، وسواء كانت هذه المجتمعات غنية أو فقيرة .. إنه يرتقي صعدا بالخصائص الإنسانية، ويحرصها من النكسة إلى الحيوانية، لأن الخط الصاعد في القيم والاعتبارات يمضي من الدرك الحيواني إلى المرتفع الإنساني، فإذا انتكس هذا الخط ـ مع حضارة المادة ـ فلن يكون ذلك حضارة ! إنما هو التخلف، أو هو الجاهلية.”[8]

 

4 ـ علي شريعاتي (1933–1977)

يعرف علي شريعاتي الحضارة بأنها: “عبارة عن حالة روحية ودرجة معنوية وفكرية، ويمكن أن نفهم هذه الحضارة من خلال طريقة التفكير والعقيدة والثقافة ودرجة الإحساس وبعد النظر في الكون والضمير الاجتماعي ونسبة المعرفة الذاتية والإحساس بالمسؤولية والهدف وكذلك الفكرة والمعرفة السياسية للأفراد حتى لو كانت الحياة المادية والتكنولوجية في مستوى غير مطلوب”[9]

ويرى أن الحضارة معلولة لأربعة عوامل هي[10]:

  • القوانين الجبرية الموجودة في الحياة الاجتماعية: فالمجتمع الذي تكون قوانينه متكاملة، مجتمع متكامل صاحب حضارة متكاملة
  • العقود الاجتماعية: إذا اكتمل المجتمع بإقامة اتفاقيات ومعاهدات وقوانين لتنظيم علاقاتهم وروابطهم على أساس العدل تكون حضارته معلولة لذلك.
  • الحب والاحتياج: فالحب يمثل الجانب المعنوي، والاحتياج يمثل الجانب المادي في حضارة الإنسان، وهما اللذان يدفعان الإنسان إلى الحركة والعمل ويمثلان جانبي الحضارة المادي والمعنوي.
  • الدفاع والهجوم: يدافع الإنسان عن نفسه أمام هجمات الطبيعة والعدو، أما هجومه فهو لبحث واستخراج ما موجود في الطبيعة واستثماره لمصلحته، فهذا الصراع المتمثل بالدفاع والهجوم يدفع الانسان للابتكار والابداع، وهو ما يساعد على خلف ونمو الحضارة الإنسانية (ويرد في هذا على توينبي ويعتبره انه يؤمن بالهجوم فقط من خلال مقاربة التحدي).

 

فيرى أنّ الحضارة ليست مجرد بنية مادية أو تقدّمٍ تقني، بل هي ثمرة الوعي بالذات والرسالة التاريخية للإنسان. فالحضارة عنده نتاج ما يسميه “الإنسان الملتزم“، أي الإنسان الذي يدرك مسؤوليته أمام الله والناس، ويسعى إلى تحويل الإيمان إلى فعلٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ محرِّر.

يربط شريعتي بين مفهوم الحضارة ومصطلحاته الفكرية المركزية مثل[11]:

النباهة (اليقظة) : وعي الإنسان بحقيقة ذاته وتاريخه.

الاستحمار: حالة الخضوع الفكري للهيمنة الثقافية الغربية أو الدينية الجامدة.

العودة إلى الذات: استعادة الهوية الروحية والثقافية الأصيلة بعد قرونٍ من التبعية.

الاغتراب الحضاري: فقدان الإنسان لعلاقته بمعنى وجوده في ظل المادية الحديثة.

يقول شريعتي: “الحضارة هي الفوران الداخلي للروح التي تتحرر من التقليد، وتعيد صياغة العالم على ضوء التوحيد”.

ويعتبر أن الغرب قد أبدع في الكمّ وفشل في النوع، لأن علمه بلا قيم، وتقنيته بلا إنسان. أما الإسلام، فيحمل نموذج الحضارة التوحيدية التي توحّد بين العلم والإيمان، وبين العمل والعبادة، وبين الحرية والمسؤولية.

إنّ الحضارة في فكر شريعتي ليست “ماضيا مجيدا” ولا “استنساخًا للغرب”، بل حركة ثورية مستمرة تنبع من داخل الأمة لتجدد معناها ودورها في التاريخ.

 

5 ـ عبد الوهاب المسيري (1838 ـ 2008)

يُعدُّ عبد الوهاب المسيري من أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين، اشتهر بمشروعه الفكري حول نقد الحداثة الغربية، وبموسوعته الكبرى “اليهود واليهودية والصهيونية“، إضافةً إلى تحليله العميق لمفهوم العلمانية الشاملة ورؤيته المتوازنة للحضارة الإنسانية.

يرى عبد الوهاب المسيري أن الحضارة، في جوهرها، هي رؤية الإنسان للعالم(Worldview)، أي المنظومة الكلية التي تفسّر العلاقة بين الإله، والإنسان، والطبيعة، والمجتمع. ومن هنا تنقسم الحضارات — في نظره — إلى نوعين:

  • حضارة توحيدية إنسانية تُبقي الله في مركز الكون، وترى الإنسان خليفة ومسؤولًا.
  • حضارة مادية علمانية تنزع القداسة عن الوجود، وتحوّل الإنسان إلى أداة في منظومة إنتاج واستهلاك.

يبيّن المسيري في مشروعه الفكري، خصوصًا في” كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة“، أن الحضارة الغربية الحديثة قامت على”العلمانية الشاملة“، أي فصل القيمة عن الفعل، والروح عن المادة. ولذلك فهي حضارة “كمّية” تُخضع كل شيء للمنفعة والتقنية، حتى الإنسان نفسه. بينما الحضارة الإسلامية عنده حضارة “إنسانية توحيدية” تسعى إلى تحقيق التوازن بين المطلق والنسبي، والعقل والوحي، والمادة والروح. فالحضارة الحقيقية — كما يراها — ليست في التقدّم التقني، بل في قدرة الإنسان على التزام القيم في استخدام هذا التقدّم.

 

6 ـ محمود محمد شاكر  (1909–1997)

يعدّ محمود شاكر أحد كبار الأدباء والمفكرين العرب الذين قدّموا رؤية لغوية وروحية للحضارة تخالف التصورات المادية السائدة، فهو  يرى  أن الحضارة ليست ما يُرى بالعين من عمرانٍ وفنونٍ وصناعات، بل هي “الروح الباطنة“ التي تبعث في الإنسان القدرة على البناء والإبداع. فليست الحضارة – في نظره – المظاهر الخارجية للقوة، بل “السرّ الذي يعمل في إيجاد تلك المظاهر واستنباتها“، فيؤكد أن: “الحضارة ليست هي العرض الظاهر من قوتها وبنيانها وفنونها وكل ما يقوم به نعت الحضارة، بل الحضارة هي السر الذي يعمل في إيجاد ذلك، وإخراجه على الأرض واستثماره: هي سر الحبة التي تنبت الدوحة، والذرَّة التي تقوم بها المادة.”[12]، وهو ما يسميه شاكر “العقيدة والعقل الإنساني حين يتفاعلان في وجدان الأمة”، فينتج عنهما الفكر، واللغة، والأخلاق، والإبداع. فإذا انفصلت هذه المظاهر عن أصلها الروحي، أصبحت جثثًا بلا حياة. ينقد شاكر النظرة الغربية للحضارة التي اختزلتها في التقدم المادي، ويرى أن الأمة لا تُقيم حضارة إلا حين تستعيد “روحها الأولى“ التي كوّنتها في لحظة الإيمان والوحي واللغة. لذلك، فالحضارة عنده، ليست نقلًا عن الآخرين، بل”ولادة من الذات“، تبدأ من الفكرة التي تحيي القلب قبل أن تشيّد البناء، وتنتهي بإنسانٍ يحمل رسالةً لا آلةً تنتج سلعًا.

 

7 ـ  حسين مؤنس ((1911–1996)

يُعدّ الدكتور حسين مؤنس من أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، برع في الكتابة التاريخية والفكر الحضاري، فكان عالما متبحرا في التاريخ ومفكرا رصينا في الحضارة. من أبرز مؤلفاته “التاريخ والحضارة“(1983)  وله مؤلفات أخرى كثيرة منها:“الحضارة الإسلامية والنهضة الأوروبية“، “المغرب والأندلس في عصر المرابطين والموحدين“،“التاريخ والمؤرخون في الحضارة العربي الإسلامية“.وهو يرى أن الحضارة هي، بشكل عام، ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء كان هذا المجهود المبذول مقصودا أو غير مقصود، وسواء كانت ثمرة هذا الجهد مادية أو معنوية. وتتكون الحضارة الإنسانية عنده بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان، لأن الاكتشافات والابتكارات لا تكمل دفعة واحدة بل تحتاج إلى تجارب متكررة حتى يتوصل الإنسان إلى ثمارها ومنافعها ويتأكد منها، وهذه المعرفة التي تتجلى لكل شيء يصنعها الإنسان مع مرور الزمن وتسمى القيمة التراكمية (Cumulative value).  يرى مؤنس أن دراسة الحضارات لا تتم إلا بدراسات التاريخ الذي هو ظرف هذه الحضارة”[13] وينقد النظريات البيئية والجنسية في نشوء الحضارات، ويعدّها نظريات عنصرية، فالحضارة عنده ظاهرة إنسانية عامة[14] لكل البشر .. وإنما تختلف الأقوام والأجناس في مستواهم الحضاري.

 

8 ـ محمد عابد الجابري (1935 ـ 2010)

يرى محمد عابد الجابري أن الحضارة ليست استيرادًا لمظاهر القوة ولا تقليدًا للآخرين، بل هي فعل إبداعٍ داخليٍّ ينبع من وعي الأمة بذاتها وقدرتها على تحويل تراثها إلى طاقةٍ فكريةٍ خلاقة. فالحضارة، في نظره، لا تُقاس بالمباني والآلات، بل بالبنية العقلية والثقافية التي تُنتجها الأمم حين تتفاعل قيمها مع واقعها التاريخي والاجتماعي[15]. ومن هذا المنطلق، يرفض الجابري مقولة “صراع الحضارات”، إذ يرى أن ما يشهده العالم المعاصر ليس صراعًا بين حضاراتٍ متقابلة، بل أزمة تعيشها الحضارة الغربية مع نفسها، نتيجة فقدانها التوازن بين العقل والأخلاق، وبين التقدّم المادي والإنساني[16]. ويرى أن علاج التأخر التاريخي العربي لا يكون بإهمال التراث، بل “بقراءته قراءة نقدية“ تستخلص عناصر الفاعلية من داخله[17]، لأن كل مشروعٍ حضاريٍّ حقيقيٍّ يبدأ من مساءلة الذات واستعادة الوعي بالجذور. فالأمة التي تفكر بتراثها تمتلك روحها، أما التي تنكره فتعرض نفسها للفراغ والانمحاء. لذلك يدعو الجابري إلى بناء عقلٍ عربيٍّ جديدٍ متحرّرٍ من قيود التقليد، يعتمد على العلم، دون أن يفقد هويته. كما يؤكد أن الإصلاح السياسي والديمقراطية والعقلانية هي الشروط الأساسية لأي نهضة حضارية[18]، إذ لا يمكن لعقلٍ مكبّلٍ بالاستبداد أن يبدع، ولا لمجتمعٍ محرومٍ من الحرية أن يصنع مستقبلًا. فالحضارة عند الجابري هي توازنٌ بين الأصالة والمعاصرة، بين الإيمان بالعقل والانفتاح على القيم، وهي مشروعٌ دائم لبناء الإنسان القادر على تجاوز ذاته والتاريخ معًا.

 

9 ـ عبد المجيد النجار (1945)

يُعدّ عبد المجيد النجار من أبرز الكتاب والمفكرين الذي تناولوا موضوع الحضارة بجدية كبيرة بما يجعل مطالعة مساهماته تغني عن قراءة كثير من الكتب في الموضوع، وأهم مؤلف كتبه هو كتاب “الشهود الحضاري للأمة الإسلامية” من ثلاث أجزاء: “فقه التحضر الإسلامي”، “عوامل التحضر الإسلامي”، “مشاريع التحضر الإسلامي”. وقد تميز الدكتور النجار بسبقة للعثور على مصطلح للحضارة من تراثنا الإسلامي هو مصطلح “الشهود” الذي جاء في قوله تعالي: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[19]﴾، وهو سبق جيد ومطلوب لو يُكتب له الرواج، حيث أن مصطلح الحضارة غير موجود في النصوص الإسلامية، ولكن كلمة حضارة مشتقة من “حضور” والشهود يقتضي الحضور. ويقول عن المصطلح: “تفيد مادة (شهد) لغويا معاني الحضور، والعلم، والبيان والتبليغ، ومن حيث النّظم تفيد معنى المناعة والعزة والنفاسة، وذلك لأنها علة الوسطية، والوسطية تتضمن هذه   المعاني كما بينه المفسرون”[20] . يعتبر النجار أن التحضر لا ينشأ ولا ينمو إلا بعوامل فاعلة تؤدي، إذا اجتمعت في مجتمع ما، إلى ظهور حياة حضارية فيه، ويرجع بعض هذه العوامل إلى الإنسان نفسه، وبعضها إلى البيئة الطبيعية التي يعيش فيها. ويؤكد أن التحضر لا يحمل في الأصل معنى قيميا، بل هو وصف موضوعي، فقد يكون محققا للسعادة فيكون خيرا وصلاحا، وقد لا يكون محققا لها فلا يكون كذلك. لقد قدم النجار دراسة وافيه في الحضارة في كتابه “الشهود الحضاري”، تحدث في الجزء الأول منه عن “فقه التحضر” فتناول فيه الإطار العقائدي (الخلافية لله)، والعلاقة بالبيئة الكونية (ارتفاق الكون)، وفي الجزء الثاني عن “عوامل التحضر” فقام بتقييم الواقع الإسلامي، وركز على أهمية ترشيد الاعتقاد، وتسديد الفكر، وفي الدفع نحو النفير الحضاري فرديا وجماعيا نحو البناء، وإقامة سلطان الإنجاز للتنفيذ الفعلي للرؤى الإصلاحية الدافعة للتحضر، وفي الجزء الثالث تناول “مشاريع التحضر ” التي قامت في الأمة وتحديد مواقع قوتها وضعفها على ضوء فقه التحضر وعوامله.

 

[1] ـ علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة إسماعيل علي المقدّم (القاهرة: دار الشروق، 1994)، صـ 87–91.

[2]ـ أبو الأعلى المودودي، الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها، ترجمة محمد عاصم الحداد، الدار العربية، بيروت، 1970، ص 228 (نقلا عن موقع إسلام  ويب).

[3] أبو الأعلى المودودي، نحن والحضارة الغربية، دار الفكر، دمشق، د. ت، 1960، ص 61.

[4][4]  سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، 1979،

[5] المرجع نفسه، ص 115.

[6] المرجع نفسه، ص 106.

[7] المرجع نفسه، ص 108.

[8] المرجع نفسه، ص 112.

[9] علي شريعاتي، تاريخ الحضارة، ترجمة حسين نصيري، دار الأمير، بيروت، 2006، ص 94.

[10]  نفس المرجع، ص 29.

[11] خالد فوزي يعقوب المحاسنة، التجديد الحضاري من منظور إسلامي: دراسة في فكر علي شريعاتي، مجلة البحوث الإسلامية، (Vol 31, N°2)، 2023، ص 59.

[12] ـ مجلة الرسالة، العدد 366، بتاريخ 8/7/1940م.

[13] حسين مؤنس، الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة، الكويت، 1970، ص 13

[14] المرجع نفسه، ص 44

[15] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، 1984، ص. 14–18.

[16] محمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995، ص. 43–45.

[17] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991، ص. 26–31.

[18] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص. 22–25

[19] سورة البقرة ـ الآية 143

[20] عبد المجيد النجار، الشهود الحضاري الإسلامي (ج1: فقه التحضر الإسلامي)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1999، ص 10