إنّ الوحدة الإسلامية ليست حلمًا مستحيلًا ولا شعارًا نظريًا، بل هي ضرورة حضارية وإنسانية تفرضها مقومات الدين والتاريخ والواقع المعاصر. إنّ العالم الإسلامي يملك من الثروات، والموقع، والموارد البشرية، والقيم الروحية ما يؤهله ليكون قوةً فاعلة في ميدان الحضارة الإنسانية، ولكنه لم ينجح بعد في تحويل هذا الرصيد إلى مشروعٍ موحّدٍ متكامل. لقد أثبتت الدراسات التاريخية أن الأمة عندما توحّدت في ظل الرسالة والعدل والعلم، كانت منارةً للبشرية، وحين تفرّقت وانغلقت على العصبيات والأنانية، فقدت مكانتها ودورها.
إنّ أزمات الأمة اليوم — رغم قسوتها — تحمل في طياتها بذور النهوض، إذ إنّ الشعور بالألم الجمعي هو أول خطوة نحو الوعي الجماعي، والوعي هو الشرارة الأولى للوحدة. إن الوحدة الإسلامية ليست ضد التنوع أو الخصوصيات الوطنية، بل هي تناغمٌ وتكاملٌ بين الأقطار في إطار العقيدة والمصلحة العليا. فكما كانت تجربة المدينة المنورة نموذجًا أوليًا لوحدةٍ تقوم على الإيمان والعدل، يمكن للأمة اليوم أن تبني على تلك الأسس لتقيم وحدةً حديثةً راشدةً تستلهم قيم الإسلام وتستفيد من تجارب العصر.
إنه لا يمكن للأمة أن تنهض في ظل الاستبداد والفساد والجهل، فالشورى والعلم والعدل هي قواعد الوحدة قبل أن تكون شعاراتها. فلا وحدة بلا وعي، ولا وعي بلا فكرٍ نهضويٍّ يجمع بين الأصالة والتجديد وإن التكامل الاقتصادي هو المدخل الواقعي للوحدة السياسية، فالمصالح المشتركة أكثر دوامًا من العواطف العابرة.
إن العالم اليوم يتجه نحو بناء التكتلات الإقليمية والدولية ولا مكان فيه للدول المعزولة والأمم المتفرقة، وهو بذلك يتجه نحو تعدديةٍ حضاريةٍ جديدة، وفي ذلك فرصة تاريخية لنهوض الأمة وتحقيق وحدتها، تلك الوحدة التي لا يمكن أن تكون تهديدًا للعالم، بل فرصة لإنقاذ الإنسانية من أزماتها الأخلاقية والمادية.
إنّ الوحدة الإسلامية ليست أمنية، بل وعدُ أمةٍ اختارها الله للشهادة على الناس. والطريق إليها طويل، لكنّه يبدأ بخطواتٍ صغيرةٍ صادقة، تجمع لا تفرّق، تبني لا تهدم، وتُصلح لا تُقصي. إن الأمة التي تعمل بروحٍ جماعيةٍ وصدق وإخلاصٍ لا بدّ أن تبلغ وحدتها، مهما طال الطريق وتكاثرت العقبات.
قال تعالى: (( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) التوبة: 105.
contact@abderrazakmakri.com