تقييم عام
لقد تأكد لدى الخاص والعام أن الهيئات الرسمية المكلفة بإدارة شأن البلاد لم تكن في مستوى تطلعات الشعب الجزائري وثقته وصبره وتضحياته، لم تكن هذه الهيئات في مستوى الخيرات العظيمة التي منحها الله لهذا البلد العظيم المسقي بدماء الشهداء والقائم بجهد المخلصين الذين لا يسألون جزاءاً من العباد ولا شكورا. ليس من السهل أن نتحمل وأن نتقبل وأن نهضم ضياع الفرصة الأخيرة الكبيرة التي أتيحت لبلدنا في سنوات البحبوحة المالية ضمن فرص أخرى كثيرة أتيحت منذ الاستقلال. ليس من السهل أن تقبل عقولنا ضياع فرصة كان بإمكانها أن ترفعنا لمصاف الدول المتطورة والمتقدمة، ليس من السهل أن ينسى جيلنا هذه الفرصة الضائعة إلى أن نلقى الله، ليس من السهل علينا أن نرى دولا استطاعت أن تسابق الكبار بعدما كانت مثلنا أو أصغر منا بمواردها الطبيعية وبتناقضات نسيجها الاجتماعي وبعضها بتاريخها المتناقض. ليس من السهل على وطني صادق، شغوف ببلده، متيم بتاريخه، محب لشعبه، مشفق على خيراته، خائف على مستقبله، ان يتعايش مع هذا الإخفاق المدوي الذي نراه، ويراه الناس جميعا. نراه بشكل كلي في عجز الميزان التجاري، في عجز ميزان المدفوعات، في عجز ميزان الحسابات، في أزمة الخزينة العمومية، في تهاوي احتياطي الصرف، في العودة للمديونية الخارجية، نراه في عودة أرقام البطالة والتضخم المتصاعدة، نراه في صدمة ارتفاع الأسعار، نراه في معدلات النمو المعاكسة لحجم تمويل التنمية، نراه في الناتج الإجمالي الخام الذي أبقانا ضمن الدول الراكدة، نراه في الفساد المهيكل وفي شبكة الفاسدين المهيمنة، ونراه بشكل جزئي في خيبات الأفراد والأسر والمؤسسات، نراه في ضعف الإنتاج، في العدد القليل للمؤسسات الاقتصادية، في ضعف التنافسية، في قلة الإبداع، في سوء بيئة الأعمال، نراه في غلاء المعيشة، نراه في عدم قدرة الموظف الشريف على إغلاق شهره، نراه في قيمة الدينار المتهاوية، نراه في الخدمات الصحية المتهالكة، نراه في الأوضاع التعليمية المتأزمة، نراه في أزمة السكن اللامنتهية، نراه في الهياكل القاعدية غالية السعر ولكن رغم ذلك متهرية، ونراه بشكل عام في الاحتجاجات الاجتماعية المضطردة والمتوسعة، وفي غياب الحكامة ومفهوم الحكم الراشد في الأحوال العادية، ونراه في العجز على مواجهة الأزمات في الفيضانات والعوارض الطبيعية. وحين غابت أسباب البهجة العادية تعلق الجزائريون جميعا بلعبة كرة القدم، أطفالهم وشبابهم وشيوخهم، ورجالهم ونساؤهم، فصارت هي ملهمتهم وصانعة أحلامهم، وكأنها نفخة من مخدر تنقلهم لعالم البهجة الخيالي الغادر. وصاروا ينسجون بطولات وهمية وإنجازات أسطورية عنوانها “شكون حنا”، ثم ما هي إلا مباراة أو مباراتان بعد هذه الصيحة المتكلفة حتى تبخر الحلم وعرفنا حقيقة “شكون حنا”. عرفنا أننا هؤلاء الذين حباهم الله بكل المقدرات ليكونوا عظماء بين الأمم فاختاروا أن يكونوا صغارا، حباهم الله بمقدرات كبيرة ليكونوا عظماء في العلم والفكر والتعليم والإدارة والصناعة والفلاحة والخدمات والتضامن والترفيه فتصبح كرة القدم صناعة متقنة تصنع أفراحا لا تنقطع، ليس للقاعدين والبطالين المهمشين كمخدر لهم، بل لشعب عامل مبدع منتج يقصد كرة القدم للفرجة وللاستراحة والاعتزاز بالمنجز الكروي بعد المنجز الحضاري والعمل في المخابر والجامعات والمصانع والحقول ومختلف المؤسسات.
هل حينما نقول هذا نقصد بأنه لم تحقق الجزائر إنجازات، وهل الأفق أمامنا منسد، وهل كل شيء أسود، ولا أمل في المستقبل، ولا مأمول في الآتي. الجواب هو بكل تأكيد لا وألف لا.
أما الإنجازات فهي محققة، بعيدا عن القدر والمستوى المطلوب، وغير متناسبة مع الإمكانيات التي سُخرت، وغير مرضية بالنسبة لحجم الفساد والخير المنهوب، ولكنها موجودة ولا بد من أخذها والارتكاز عليها والانطلاق منها. فهل الذي يأخذ منك ألف دينار فلا يرجع لك سوى ثلها أو نصفها، أخذتها منه لأنك في أمس الحاجة إليها تقول أنه لم يرجع لك شيئا؟ لقد أرجع لك النصف أو الثلث وعجز أو سرق وبذر الباقي، فتنعم بما أخذت، وواصل طريقك نحو المستقبل. وإن من أعظم إنجازات الجزائر تعميم التعليم، خصوصا في زمن المدرسة التي سموها ظلما منكوبة. إن في الجزائر كما هائلا من المتعلمين الجيدين الذين بإمكانهم صناعة نهضة وطنية شاملة، فإن من هؤلاء من صنع الفرق حتى بين متعلمي الأمم الأخرى حيث التنافسية العلمية والإبداعية قوية، وإن من الإنجازات كذلك الكم الهائل من الهياكل القاعدية والتغطية الصحية والطاقوية القابلة للتحسين وحسن الاستغلال إذا توفر الحكم الراشد. جزى الله كل من كان له دور في توفير هذه المكتسبات كائنا من كان، ولكن إن لم يقع التحول الاقتصادي والسياسي سينهار كل شيء آجلا أم عاجلا.
د. عبد الرزاق مقري
دائرة الهداية: هي دائرة الدعوة والتربية والإيمان والرسالة، وعدد من فيها سيبقى قليلا إلى يوم الدين يقول الله تعالى :((وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين))يوسف103، بل إن أكثر المؤمنين فيهم دخن ((وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)) يوسف 106، وهذه الفئة ستبقى موجودة بإرادة الله ورعايته لكي تبقى الحياة، فما استمرار الدنيا إلا من أجلهم على قلتهم، وحينما يأتي ميعاد نهاية هذا العالم السفلي يأخذ الله آخر واحد منهم ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق عند الله)) حديث صحيح رواه الحاكم. ولا نطيل الحديث عن هذه الدائرة لأن الذين أكتب لهم هذا المقال يعرفونها جيدا، وقد اكتفيت بالإشارة إلى هذا المعنى المهم الذي لا يعرفه أكثرهم.
دائرة القيادة: وهي دائرة السياسة، القائد فيها والمقود، فالسياسة هي التي تقود الدنيا، وهي التي تصنع التاريخ، فما تاريخ الدول إلا تاريخ ساستها ودولها ومؤسساتها، وما الإنجازات الحضارية إلا منتوج إدارة الدول والمجتمعات، ودائرة القيادة يوجد فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، غير أن المؤمنين والصالحين فيها قلة، ولكن رغم قلتهم يستطيعون الظهور على غيرهم إذا ما فهموا أن لا غلبة فيها إلا باتباع السنن الإجتماعية والأخذ بأسباب القوة والنفوذ. إذا أخذ الفجار بزمام المبادرة كانت الدنيا لهم وكانت عندئذ ظلما وفسادا مهما تراكمت منافعها المادية، وهو حال العالم اليوم، وإذا كان الصالحون أهلا للقيادة تمكنوا، فيسعد الناس حينئذ في الدنيا، ومن آمن منهم فاز في الآخرة، وعلى هذا الأساس إذا أعتقد المؤمنون والصالحون بأنهم يستطيعون قيادة الدنيا فقط لأنهم مؤمنون صالحون فهم مخطئون، وإن ارادوا استعمال الدين للتمكن في الحكم فهم مجانبون للصواب وللفهم الصحيح للإسلام ، ولا محال سيفشلون. إنما تؤخذ الدنيا غلابا، بالإعداد وحسن السياسة والإدارة وأن يكون دهاء ومكر الصالحين أكبر من دهاء ومكر الكافرين والفاسدين والظالمين. وحين يقول الله تعالى:((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)) الفتح 28 ، لا يعني هذا أن الناس جميعا يدخلون الإسلام، فهذا أمر مستحيل وإنما المقصود أن يكون الإسلام هو الغالب وهو الأقوى والأظهر لكي لا تفسد الدنيا فسادا مطلقا قبل الأوان الأخير ولكي تحفظ كرامة الناس، مسلمهم وغير مسلمهم. ستبقى المعركة في الحياة الدنيا بين قادة الخير وقادة الشر والناس بينهما تبع. وأكثر هؤلاء الناس يتبعون من يضمن مصالحهم وطموحاتهم، والولاء الذي يظهرونه في فترة من الفترات لهؤلاء القادة أو أولئك أغلبه كاذب. إنما هو تموقع وفق توقع المصالح، سوى قلة جاءت من دائرة الهداية بالتربية او بالفطرة تناصر قادة الحق لأنهم على الحق، و من كانت عصبته هؤلاء فقد أفلح ونجح. لن يستطيع قادة السياسة الذين ينتمون إلى دائرة الهداية أن يفرضوا أنفسهم في دائرة القيادة إلا إذا أيقن أغلب الناس بأن مصالحهم الدنيوية في هؤلاء الصالحين، إما بخدمة الناس بصدق وتفان إذا كانوا في الحكم، دون النظر إلى دينهم وانتمائهم وثقافتهم، أو بقناعة أولئك الناس في مصداقية هؤلاء الساسة القادة بأنهم قادرون على تخليصهم من ظلم وبؤس هم فيه، أو على تحسين وضعهم أفضل مما هم عليه. وفي مواجهة قادة الشر لا يجب على قادة الخير أن يتترسوا بالشعب فحسب فقد يجلبوا لهذا الشعب المهالك، بل هم أنفسهم سيشيطنون بعدما كانوا على الحق إن فعلوا ذلك في غير وقته وبلا كفاءة وحسن تدبير، وقد وقع هذا في القرن الأول من التاريخ الإسلامي وهو يتجدد في كل مرة، مثلما حدث في الجزائر في بداية التسعينيات وحدث في مصر مؤخرا، لا تكون المواجهة بجحافل الشعوب فقط، حتى وإن كانوا صادقين في مناصرة الحق في تلك اللحظة. إن قوة الشعب هي ولا شك الأضمن والأبقى خصوصا إذا كان الشعب واعيا مؤمنا بقضيته وفقا لقوله تعالى: ((هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين))، صادقهم أو من كان مؤمنا ولكن في إيمانه دخن، ولأهمية الشعب في معادلة التدافع يتصارع قادة الخير والشر على كسبه في كل وقت، غير أن استعمال هذه القوة في غير وقتها دمار وفناء. إن قوة الشعب ليست قوة كفاح من أجل التغيير ولكنه قوة حسم في لحظة التغيير حين يأتي أوانه. فلا بد أن نتذكر بأن الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجا إلا بعد فتح مكة. قبل لحظة الحسم على قادة الحق أن يكونوا في مسوى الإعداد، وأن تكون لهم القدرة على التضحية، ولو بأنفسهم ومصالحهم من أجل الحق، دون ربط انتصار الحق بزمن من الأزمنة وفرصة من الفرص، وبداية الإعداد توفر الفكرة الأصيلة النابعة من دائرة الهداية، والبرنامج المناسب الذي يخدم مصالح الناس، والرؤية الثاقبة التي تسدد السير، وأهم ما في الإعداد بعد ذلك تأهيل الموارد البشرية، خصوصا في الصف القيادي، ليكونوا في مستوى إدارة الصراع، بأخلاق الدين ولكن بأدوات الدنيا، لأن حسن إدارة الصراع هي التي تجعلك تنتصر ولو كان خصمك أقوى منك ألف مرة.
د. عبد الرزاق مقري
جاءت مظاهرات 11 ديسمبر ضمن سياق نستخلص منه درسا كبيرا في كفاحنا السياسي.
جاء المستوطنون وجنرالاتهم في الجزائر المحتلة بالجنرال ديغول سنة 1958 ليحكم فرنسا من جديد ويخلصهم من ثورة المجاهدين الجزائريين التي شملت كل الجزائر بعد عمليات فك الخناق على الأوراس في 20 أوت 1956 . يعتبر الجنرال ديغول صاحب الكتاب الاستراتيجي “حد السيف” بطلا قوميا عند الفرنسيين أعاد لهم شرفهم بعد سقوط باريس في يد هتلر واستسلامهم للألمان في الحرب العالمية الثانية بتنظيمه المقاومة الفرنسية وانضمامه للحلفاء واسترجاع بلده من الاحتلال النازي. خلافا لهذه الخلفية الثورية والكفاح من أجل الحرية لبلده عمل ديغول على كسر الثورة التحريرية وترسيخ إلحاق الجزائر بفرنسا نهائيا، فعمل باستراتجيتين متكاملتين: استراتيجية الإغراء من خلال ” مشروع قسنطينة” لتحسين وضعية الجزائريين المادية، واستراتيجية الحرب والتدمير للثورة ومعاقلها ومناصريها فأنزل للجزائر ترسانة عسكرية من الطائرات والآليات والجنود والخطط والعمليات المكثفة بشكل غير مسبوق وبمساندة ضخمة من الحلف الأطلسي.
أكد لي المجاهدون مشافهة بأن ديغول استطاع أن يلحق ضررا كبيرا بالثورة إلى حد توقفت فيه العمليات الجهادية تقريبا. لقد كاد ديغول أن يحقق هدفه، فلو توقفت الثورة لانكسرت إرادة الجزائريين ولاستمر الاحتلال إلى سنوات طويلة أخرى. غير أن الذي أنقذ الموقف هو الشعب الجزائري بانتفاضة 11 ديسمبر. انتبه قادة الثورة بأن الرسالة يجب أن يأخذها ديغول كاملة، فحواها أن الشعب الجزائري مصمم على الاستقلال مهما كان الثمن، فلا الإغراء يثنيه عن مطلب الاستقلال ولا التدمير العسكري يخيفه من استمراره في طريق الحرية، وأن الذي يجب أن يجيب ديغول هذه المرة هو شعب بكامله وليس المجاهدون الذي في الجبال فكان تنظيم المظاهرات التاريخية في مثل هذا اليوم من سنة 1960.
لقد كانت هذه المظاهرات حاسمة في تصحيح فهم ديغول للقضية الجزائرية، لقد علم بأن القضية ليست قضية متمردين على السلطة الفرنسية، بل هي إرادة شعب بكامله، وأن هذا الشعب ستهزم إرادته إرادة فرنسا، لأن هذا الشعب يدافع عن أرضه الجزائر، وأن الفرنسيين مغتصبون يقاتلون من أجل قضية ظالمة ستخسر لا محال، وأن الشعب الذي خرج للشوارع عن بكرة أبيه هو قوة المجاهدين والفدائيين والمسبلين الذين يحملون السلاح في الجبال وفي المدن، وأن قوة الحديد والنار مهما عظمت لا تهزم طالب حق أبدا. لم يهب ديغول شيئا للجزائر كما يقول أبناؤه من أذيال الاستعمار، بل اندحر وانهزم، وما انخرط في مسار المفاوضات التي انتهت بالاستقلال إلا حينما رأى إرادة الشعب الكاسحة في 11 ديسمبر. الفرق بينه وبين المستعمرين الذين حاولوا الانقلاب عليه حين أعلن ضرورة خروج فرنسا من الجزائر أنه كان أذكى منهم في قراءة إرادة الشعب الجزائري حيث علم أن نتيجة البقاء في الجزائر ليس الهزيمة على الأرض المحتلة فقط، بل كذلك تقهقر فرنسا ذاتها في أرضها، وأن التفاوض على الخروج هو كذلك لمصلحة فرنسا من هذه الزاوية، و للمحافظة كذلك على بعض الامتيازات وهو للأسف الشديد ما تحقق له ولبلده.
لا شك أن مظاهرات 11 ديسمبر هي من أكبر الأسباب التي أدت إلى الاستقلال، ولكن هي قبل ذلك المظاهرات التي حمت الثورة وأنقذت النخب حين تعثرت.
إن الدرس العظيم الذي نستخلصه في كفاحنا السياسي أن مساندة الشعب لأي قضية هو الذي ينجحها، وأن الذي يغلب الأنظمة سواء كانت استعمارية أم استبدادية إنما هو الشعب، وأما النخب عبر مختلف منظماتها وأحزابها فإن الذي عليها القيام به هو أن تبذل جهدا كبيرا لتوعية هذا الشعب وتحميله المسؤولية ونيل ثقته بالثبات والتضحية والصبر حتى إذا فهم الشعب القضية ووثق بمن يحملها يكون هو الطاقة العظمى التي تتحرك بها النخب. يكون الدعم للنخب من عموم الشعب عندئذ منظما ودائما وفاعلا في مختلف المجالات، فإذا تعقدت أوضاع النخبة في هذه المرحلة، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتوقف عملهم لعظمة القمع وشدة الاستبداد وساءت أوضاع هؤلاء الناس الذين أصبحوا واعين مدركين، خرج الشعب للشارع سلميا يأخذ أمره بيده مع التقدير التام للنخب ولما بذلوه من قبل، وحينما يتحقق النصر يكون الانتقال إلى وضع جديد لمصلحة الشعب ونخبه وللبلد كله في سلاسة ورشاد وتوفيق وسداد.
د.عبد الرزاق مقري.
– لا فرق بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب بالنسبة للعرب والمسلمين ، ولكن هناك شيء مؤكد معلوم وشيئ متوقع مجهول، الشيئ المعلوم الذي لا ريب فيه أن كلينتون تمثل صوت المؤسسة الأمريكية (أو الاستباشمنت أو الدولة العميقة في أمريكا) التي كانت دائما مع إسرائيل ضد العرب والمسلمين وهي سبب في كثير من مآسينا، وعليه لو أصبحت هيلاري رئيسة لكان وضع المسلمين على السوء الذي نحن عليه والأرجح يكون الحال أسوء، أما ترامب يتوقع أن يكون وضع العرب والمسلمين معه أسوء ولكن لا يوجد شيء يؤكد هذا ما لم يقع. ما يتلفظ به مرشح للرئاسة يمكن آن يتغير وتغيب حدته بعد أن يصبح رئيسا ولكن يصعب على سياسة المؤسسة أن تتغير.
– ترامب رئيس لم تتمناه الاستبليشمت، ولكن ستعمل على احتوائه، وأثناء ذلك سيقع التوازن بينه كشخصية متفلتة حتى على حزبه وبين المؤسسة، ستكون له بصمته الخاصة ولكن الاتجاه العام سيكون على ما تريده الدولة العميقة التي تؤثر فيها قوى كثيرة منها المؤسسات العسكرية والأمنية، ولوبيات السلاح، ولوبيات الطاقة، واللوبي الصهيوني وبعض اللوليات العرقية ومجموعات المصالح المختلفة.
– في الهامش الذي يخصه ويترك فيه بصمته فيه هو ما يتعلق بالمال، كل سياسات ترامب ستقودها رؤى قريبة المدى للتوسع الاقتصادي الأمريكي، ستهمه الفرص القريبة للربح أكثر من أي شيء آخر كما هي ذهنية رجل الأعمال مثله، لن يهتم كثيرا بالاستراتيجيات بعيدة المدى ولن يكون متحمسا على الإنفاق على مشاريع لا تكون عوائدها قريبة، وسيؤثر هذا على تحالفاته وفق تطورات الوضع الاقتصادي، وكل حليف سابق لم تصبح فيه مصلحة اقتصادية أو يمثل عبئا على أمريكا سيتخلى عنه، وباعتبار أن ترامب لا يرى وجود سبب لتحمل عبء الصعوبات الاقتصادية الأوربية أو مشاكلها الجيوستراتيجية، سيعرف الحلف الأمريكي-الأوربي تراجعا ملحوظا وسيتعامل مع الدول الأوربية دولة دولة وفق استعداد كل واحدة منها للاستسلام التام للإرادة الأمريكية أكثر مما هو حاصل الآن.
ـ ليس بالضرورة أن يكون ترامب وحده في هذه الاستراتيجيات الجديدة، فقد تكون ثمة قوى خفية داخل المؤسسات التقليدية التي تحدثنا عنها قد اختارت هذه الوجهة قبله وكانت هي ذاتها وراء صعوده لاستكمال المهمة وقيادتها ومما يدل على هذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، التقارب الجديد بين أمريكا وروسيا في بعض الملفات ومنها الملف السوري، المواقف السلبية الجديدة من المملكة العربية السعودية وقانون ((جاستا)) الذي صوت عليه الكونغرس الذي يؤدي إلى تغريمها بأموال طائلة تعويضا لضحايا 11 سبتمبر… ألخ..
ـ بالنسبة للمسلمين سيكون موقف ترامب منهم بقدر قدرتهم على نفع أمريكا أو إلحاق الضرر بها، وهناك في هذا المجال وجهان: وجه سلبي ووجه إيجابي. أما الوجه السلبي فهو أن شراسته ستكون أفتك بالمسلمين من سابقيه في أخذ ما يريد منهم إذا رأى ذلك ممكنا وليس له ثمن يدفعه، والوجه الإيجابي أنه سيكون أكثر واقعية وقبولا للحوار وتبادل المنافع إذا رآى نفسه في مواجهة دول إسلامية متماسكة قابلة للتعاون بينها والحديث بصوت واحد ولها قدرة على إيلامه وتضييع فرص الربح المتوقعة في بلادهم. وسيخضع الملف الفلسطيني لنفس القاعدة: سيكون مع إسرائيل إذا كان ذلك ينفعه ماديا أكثر، وسيحاول التوازن إذا رأى بأن وقوفه مع إسرائيل يضيع له فرصا اقتصادية أوفر.
ـ والخلاصة أن ترامب خلافا لسابقيه: يمثل بالنسبة للمسلمين فرصة جديدة وتهديدا أخطر مما مضى بحسب التحولات التي تقع في العالم وبحسب التطور نحو السلب أو الإيجاب في منظومات الحكم والمجتمعات العربية الإسلامية.
د. عبد الرزاق مقري
حينما كتب فرانسيس فوكوياما كتابه ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير” سنة 1992 خطّأه كثير من الكتاب والمفكرين من مختلف الحضارات والثقافات واعتقدوا بأن عكس ادعائه يحصل في العالم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن الزمن زمن بروز الثقافات المتنوعة في العالم وظهور قوى دولية جديدة والتخلص نهائيا من الأحادية القطبية الأمريكية. كثير من هذا حصل حيث ظهرت قوة الصين وباقي دول البريكس في المجال الاقتصادي وأصبحت هناك قوى اقليمية تلعب دورا أساسيا في العلاقات الدولية وأصبحنا نرى العالم بألوان الطيف من حيث التنوع الثقافي. غير أني لا أعتقد بأن هذا الذي كان يهم فوكوياما حين تحدث عن نهاية التاريخ، الذي كان يهمه هو المجال الفكري ومرجعية القيم في الكون، اعتقد فوكوياما بأن نهاية الاتحاد السوفياتي هي الانتصار الأبدي للرأسمالية الغربية المادية الربوية ومذهبها الليبيرالي وبذلك يتنهي صراع المشاريع بالتسليم التام بأن نموذج إدارة الاقتصاد والأسواق هو النظام الرأسمالي دون غيره وأن الليبيرالية ستنتصر أبديا على مستوى المبادئ والأفكار وتصبح معولمة بل تكون منهج حياة البشرية كلها. وعليه، كما نراه الآن في كل مكان، يصبح الذي يتحكم في الحكومات رجال المال والأعمال والمؤسسات الاقتصادية العابرة للقارات ويصبح الحكام خاضعين لإرادة واحدة هي إرادة السوق ومن يتحكم فيه، هي التي توصلهم للحكم وهي التي تسقطهم. وحين يكون الأمر كذلك يتأكد فعليا إمكانية وجود “حكومة عالمية خفية” تسخّر المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية لإرادتها من حيث درت تلك المؤسسات والحكومات أم لم تدر بالرضا أو كرها، وحين يكون الأمر كذلك تفعل أصابع المنظمات الخفية المرتبطة بالصهيونية فعلها كالماسونية واللوبيات المالية والإعلامية وغيرها من المنظمات السرية الشبيهة ومنها منظمة فتح الله غولن المتهمة بالارتباط بالماسونية والمتصلة اتصالا وثيقا بالأجهزة الأمنية الأمريكية، ويصبح عندئذ التمرد على هذه المنظومة العالمية عسيرا جدا يشبه المستحيل أحيانا. قد يُسمح لمن يريد أن يتميز عن هذه المنظومة أن يكون هامشيا يُستفاد منه في تزيين المشهد العالمي، فإذا أراد أن يكون مشروعا عالميا بديلا تتم محاولة استيعابه ليكون مكملا للمشروع الرأسمالي العالمي بقيمه الغربية المهيمنة، فإن أصر على التميز بمرجعية أخرى يُضرب بيد من حديد، بكل الوسائل الممكنة، بالفوضى أو الأزمات أو الحصار أو الانقلابات أو الاغتيال أو شيء من هذا.
إننا حين نتابع اقتصاديات العالم كله في كل الدول بمختلف ثقافاتها وحضاراتها ونظم حكمها سنجدها كلها تمثل نمطا واحدا هو الاقتصاد الرأسمالي الربوي، ذلك هو اقتصاد الصين ضمن نظام الحزب الواحد، وذلك هو اقتصاد الروس ضمن النظام المافيوي المسيطر، وذلك هو اقتصاد دول البريكس، وذلك هو اقتصاد الدول الإسلامية الصاعدة كماليزيا واندنوسيا وتركيا، كلها اقتصاديات تشبه الإقتصاد الرأسمالي الغربي الأمريكي الأوربي، إنها نهاية التاريخ حقا إذا استمر الأمر هكذا، كل هذه الأنظمة تخضع لمذهب واحد هو المذهب الرأسمالي المادي الربوي وهي كلها أنظمة مخترقة بدرجات متفاوتة من الصهيونية العالمية.
إلى جانب كتاب فرنسيس فوكوياما ظهر كتاب آخر ذائع الصيت هو كتاب ” صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” لصاحبه صمويل هنتنتن، والكتاب في أصله مقالة كتبها المؤلف في مجلة “فورين آفيرز” الأمريكية سنة 1993 يرد فيها على تلميذه فرنسيس فوكوياما مؤكدا بأن الحضارة الغربية لم تنتصر بعد وأنها ستواجه صراعات جديدة ليس مع الدول ولكن مع الحضارات الأخرى، ويمثل الكتاب،في حقيقة الأمر، خطة متكاملة لأصحاب القرار الغربيين لمواصلة سيطرة الحضارة الغربية على باقي الحضارات الأخرى، أي لتتحقق “نبوة” تلميذه ذاتها ! وكأنه يقول له “لا تجعلنا نسترخي بنشوة الانتصار فنُغلب، إن علينا مهمات جديدة ليس ضد الدول بحد ذاتها ولكن ضد حضاراتها وقيمها وهويتها”. يحصي صمويل هنتنتن في هذا الكتاب الحضارات الموجودة في العالم ويخلُص إلى أن ثمة حضارتين منافستين للحضارة الغربية هما الحضارة الكنفوشيوسية الممثلة في الصين والحضارة الإسلامية الممثلة بدول الشرق الأوسط وما يتصل به وهي أخطر الحضارات كلها على الغرب حسب هنتنتن، وأن المواجهة الأساسية هي بين ” العالم المسيحي” بقيمه العلمانية من جهة و”العالم الإسلامي” من جهة أخرى. لا أريد أن أفصل في فحوى هذا الكتاب فليس هذا موضوعنا، وقد نشرت بشأنه كتابا منذ سنوات عنوانه: ” صدام الحضارات: محاولة للفهم”، ولكن الذي أريد أن أنبه إليه أن الخطة المعروضة في الكتاب قد أتت ثمارها بالنسبة للصين إلى حد كبير، حيث أصبحت الصين تمثل اقتصادا متكاملا مع الاقتصاد الأمريكي وفي أسوء الحالات قد تهدد المصالح الأمريكية والأوربية ولكنها لا تهدد الحضارة والثقافية الغربية على الإطلاق، بل قد أصبحت مندمجة فيها اندماجا كبيرا أصبح يقلق أصلاء الكونفوشيوسية ولا يجيدون لحيرتهم حلا، وفي أسوء حالٍ من هذا قد تتضرر أمريكا ضررا كبيرا من صعود الصين ولكن الصهيونية لن تتأثر وجوديا بذلك، ذلك أنها وجهت اهتمامها للصين منذ سنوات طويلة وقد اخترقت الاقتصاد الصيني اختراقا كبيرا من خلال هيمنة الفكرة الرأسمالية الربوية ونفوذ رجال الأعمال الصهاينة أو المتصهينين، وهي في راحة تامة من أمرها في هذا الشأن.
إن المشكل الذي تجده “حكومة العالم الخفية” هو مع العدو الأول حسب تصنيف كتاب صدام الحضارات، مشكلتهم الكبيرة هي مع الإسلام المستعصي عن الاستيعاب والإدماج، بل المقاوم الأوحد في الكون لظلم الفكرة الرأسمالية المادية الربوية كما يقر بذلك عدد من القامات الفكرية في الغرب ذاته، بل الإسلام هو القوة الوحيدة التي تعرض بديلا حضاريا معارضا معارضة كلية للهيمنة الاستعمارية الرأسمالية. وخطر الإسلام بالنسبة للنظام العالمي المهيمن ليس في تطبيق الشريعة الإسلامية المظهرية، لا تمثل هذه المسألة شيئا بالنسبة لهم إذا كانت الحكومات والمنظمات التي ترفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية قابلة للاندماج والتبعية الأبدية للسيادة الغربية الرأسمالية الربوية المادية، ثمة دول ومنظمات لا أوضح منها في تطبيق الحدود مثلا، دعوة أوفعلا، ولكنها متحالفة وصديقة لأمريكا وأوربا بل بعضها قريب جدا من دولة إسرائيل ذاتها. كما لا يهم أمريكا وحلفاؤها أن تتمسك بعض المنظمات والدول بالإسلام خارج السيادة والقيم الغربية إذا كانت هذه الدول والمنظمات ضعيفة وهزيلة، بل قد تكون هذه الدول والمنظمات مفيدة لاستمرار الهيمنة الغربية من خلال استعمالها والتخويف بها.
إن الذي يخيف أمريكا هو المشروع الإسلامي البديل التحرري الذي يقاوم الظلم العالمي ويرفض الهيمنة الغربية ويكافح الصهيونية ويكون في نفس الوقت قويا متطورا متحضرا قادرا على الاستقلال عن الإرادة الغربية باقتصاد قوي ومؤسسات حكومية صلبة وشعب فاعل ومتحضر، ولا يهم أن يكون هذا المشروع في صورته النهائية الكاملة أو يكون في طور التحرر من الواقع العالمي المهيمن. لهذا السبب يُضرب اليوم د. محمد مهاتير من خلال دعم أمريكا وإسرائيل لخصومه في المؤسسات الحكومية لكي لا يبقى له أي نفوذ في الدولة الماليزية بالرغم من أنه هو صانع نهضتها وقوتها، يضرب مهاتير اليوم بلا هوادة لأنه يجوب ماليزيا والعالم بأسره يحذر من مخاطر الربا والهيمنة الغربية ومن مخاطر الكيان الصهيوني وسطوته. ولهذا السبب يحارب أردوغان ولهذا السبب كان الانقلاب الفاشل، إنه انقلاب ضد فكرة يحملها طيب رجب أردوغان وإخوانه تعلّموها في شبابهم في الكتاتيب ومعاهد الأئمة والدعاة ومع أستاذهم المفكر الكبير نجم الدين أربكان رحمه الله، أجلوا التعبير عنها ضمن خطة محكمة ومشروع متكامل، وتعاملوا مع الواقع كما هو بنيّة تغييره بالتدرج على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام والمجددين في كل زمان، ولكن وهم في أعلى مستويات نجاحاتهمفي مجال التنمية والاقتصاد وصناعة القوة والتحضر اضطرتهم الأحداث أن يعلنوا عن وقوفهم مع الحق بلا تردد ولا هوادة، قولا وعملا، في قضية فلسطين أساسا وفي قضايا الأقليات والشعوب المسلمة المضطهدة والتي تمر بمراحل صعبة كمنيمار والصومال وغيرهما، ثم في قضية تحرر الشعوب على إثر ثورات العرب ضد الظلم والتخلف والاستبداد فأصبحوا مصدر الإلهام واتجهت إليهم مشاعر الحب والتقدير لدى الشعوب العربية والإسلامية التي عبرت عن ذلك أحسن تعبير على إثر الانقلاب الفاشل. لقدبدأ هؤلاء الأتراك المتميزون يتحولون فعلا إلى نموذج ماثل ناجح تقيص عليه شعوب العالم العربي والإسلامي لتنتشر العدوى فيتحول المشروع التركي إلى مشروع عالمي بديل، ولربما تتالحف معه حضارات أخرى مستضعفة غير إسلامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فيتحول العالم كله إلى واقع غير الواقع الذي تحبه الرأسمالية المادية الربوية. ولعمري هذا أمر لا يمكن أن تقبله حكومة العالم الخفية وروحها المتصهينة. هذا الذي كتبه هنتنن وهو يتحدث عن الإسلام، وهذا الذي يُطبّق أمام أعيننا، كتب بشكل واضح بأن السمة الأبرز في ضعف الأمة التي تنتمي للحضارة الإسلامية حاليا هو غياب الدولة النموذج التي تمثل أو تتجه إلى تمثيل الفكرة الإسلامية الحضارية التحررية، وهذا هو الضعف الذي يجب أن يستمر..
د. عبد الرزاق مقري
المراكز الغربية تحرص دائما أن يكون مع الضيوف العرب ممثلا أو أكثر عن حزب العدالة والتنمية التركي. وكانوا في كل مرة يعملون على إحراجنا بالسؤال عما إذا كانت تجربة العدالة والتنمية التركية نموذجا نقتدي به في بلداننا العربية. كان حزب أردوغان في عهدته الأولى بين سنة 2002 ـ 2008 وكان في وئام تام مع الغرب الأمريكي-الأوربي، كان يمثل فرصة العمر لهم لتدجين الحركات الإسلامية العربية على منوال التجربة الإسلامية التركية العلمانية المتصالحة مع إسرائيل. كان بعض الغربيين لا يثق بالواجهة المطمئنة التي كان يقدمها حزب العدالة والتنمية التركي، منها مسؤولة كبيرة في الاتحاد الأوربي مستشارة لدى رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزي مانويل باروزو سنة 2004 حيث قالت لي في حديث ثنائي كرد فعل على إصرار ممثل الحزب التركي على تأكيد علمانيته في اجتماع نظمه مركز كارنيجي في ألمانيا قالت: ” هل يظن أننا نصدقه !”. ربما كان كل الغربيين يعلمون بأن هذا الانتماء للعلمانية إنما هو انتماء اضطراري ولكن كانوا يتوقعون بأنه انتماء أبدي وأنه يجب وضع كل الإسلاميين في الظروف التي تجعلهم علمانيين متصالحين مع إسرائيل وأنه يحسن كثيرا أن يُقدّم لهم نموذج ناجح لذلك.
كان جوابي في كل هذه اللقاءات جوابا بيّنا واضحا على شاكلة ما حدث في ذلك النقاش الثلاثي الحيوي الصريح في واشنطن في ندوة نظمتها منظمة “سنتيري فونديشن” في شهر ماي سنة 2008 شارك فيها الأستاذ محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية المغربي وممثل عن حزب العدالة والتنمية التركي، وكنت أمثل في الندوة حركة مجتمع السلم حيث قلت لمنظم الندوة الذي سأل مرة أخرى عن رأينا في النموذج التركي، قلت له: ” لا شك أن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي تجربة رائدة في مجال الحوكمة والتنمية الاقتصادية يمكن الاستفادة منها لا سيما أنه وصل في تلك السنة في آخر عهدته الأولى إلى تحويل دخل الفردي التركي من 3500 دولار سنة 2002 إلى 10500 دولار سنة 2008 ونقل صادرات تركيا من 36 مليار دولار إلى 132 مليار دولار، غير أن ثمة فروقا أساسية في البيئة السياسية لا تتحمل التشبيه أولا تسمح بالمحاكاة منها أن تركيا أصبحت بلدا ديموقراطيا لا تُزوّر فيه الانتخابات، وما كان أردوغان ليحقق ما حققه لو لا توفر الحريات والديموقراطية في تركيا، وأن حزب العدالة والتنمية وجد وضعا علمانيا مستقرا لمدة سبعين سنة لا يمكنه تغييره، في حين أن دساتير بلادنا العربية كلها تُقر بأن الشريعة هي مصدر التشريع أو على الأقل أن الإسلام هو دين الدولة، وأن هذا الوضع الدستوري مستقر منذ عشرات السنين تحت حكم أنظمة قومية، فلا تتوقعوا أبدا أن الأحزاب الإسلامية ستخفض هذا السقف فتتبنّى العلمانية على شاكلة حزب العدالة والتنمية التركي وهي كلها أحزاب بنت وجودها على مواجهة العلمانية”.
لقد كنت أظن أنا كذلك بأن حزب العدالة والتنمية حزب لا علاقة له بالفكرة الإسلامية وأن مؤسسيه قد بعُدت عليهم الشقّة في كفاحهم الطويل مع شيخهم نجم الدين أربكان فغيروا وبدلوا طمعا في الاكتفاء بخدمة بلدهم في مجال التنمية ضمن المشروع الغربي الرأسمالي الربوي وأنهم، مهما كان احترامنا لهم بسبب إنجازاتهم في السنوات الخمس الأولى من حكمهم، لا يجب أن نعتبرهم نموذجا ومثالا يقتدى به، ذلك أن فكرتنا بقيت عالمية رغم الصعوبات التي نجدها في بلادنا العربية تهدف إلى تحرير فلسطين وتحرير العالم بأسره من السيطرة الرأسمالية الربوية الظالمة، وأن نظيرنا في تركيا هو حزب السعادة، حزب نجم الدين أربكان رحمه الله رغم انحصاره السياسي لدى الناخبين الأتراك.
بقيتُ هكذا لسنوات عديدة، يزداد إعجابي بإنجازات أردوغان وإخوانه في خدمة بلدهم، ولكنني لم أقبل مشروعهم على المستوى الفكري الحضاري أبدا وحسبته جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية المهيمنة التي لا بد أن تنهار ذات يوم، واعتبرت بأن هذا المشروع التركي قد يكون مجرد مرحلة في الطريق لا يعتد به كنموذج نهائي للإسلام والمسلمين، نكتفي بالثقة بصلاح أصحابه وابتعادهم عن الفساد وبالاعتراف بنجاحاتهم الكبيرة التي وصلت في نهاية عهدتهم الثالثة إلى ما يشبه الخيال بالنسبة لما كانت عليه تركيا قبل توليهم الحكم، وقد دونت هذا الحكم عليهم في بحثي الذي قدمته في المؤتمر الأول لمنتدى كوالالمبور بماليزيا سنة 2013 والذي نشرته تحت عنوان: ” الدولة المدنية: رؤية إسلامية”.
غير أن صاعقا فكريا هزّني ذات يوم غيّر تصوري وحُكمي على الإنتماء الفكري لأردوغان وأصحابه تماما، حيث أدركت بأن هذا الفريق المسلم التركي الحاكم صاحب رؤية إسلامية عالمية أصيلة، وأنه يعرف ماذا يفعل، وأن مشروعه مشروع إسلامي تجديدي تجاوز كل التجارب العربية الإسلامية السابقة والحاضرة، وأنه يتعامل مع الواقع كما هو ويعمل على تغييره بالتدرج للوصول إلى صورة نهائية مرسومة لديه باستعمال الشرعية الشعبية التي لم يحصل عليها إلا بخدمة مصالح الناس والعدل بينهم وتوفير الحريات التي تحلّ كل القضايا الأيديولوجية الخلافية في إطار من السلم والاستقرار والوعي العام والتّحضُّر.
كان ذلك في المؤتمر السنوي الاقتصادي لجمعية رجال الأعمال والصناعة المستقلين ” موصياد” سنة 2014. بدأ المؤتمر بتلاوة آيات تحريم الربا في سورة البقرة جعلتني أشعر بشيء من السعادة، وقلت في نفسي ربما ثمة في محيط هذه الحكومة أو المنظمة المشرفة على المؤتمر من يحمل فكرنا واتجاهنا فاختار هذه الآيات من باب التذكير فحسب، غير أنّي سمعت بأذني ما لم أكن أتوقعه في المحاضرات المتسلسلة لوزراء الاقتصاد والمالية والتجارة ثم رئيس منظمة الموصياد ثم الرئيس التركي طيب رجب أردوغان سحلوا فيها كلهم الفكرة الرأسمالية الربوية الغربية، وكانت المحاضرة الأقوى هي محاضرة الرئيس التي حاكم فيها النظام الرأسمالي الغربي الربوي وحمّله مسؤولية الحروب والفقر والاستعمار والظلم والإرهاب وغير ذلك من الآفات التي تعرفها البشرية اليوم.
عندئذ قلت في نفسي لقد كشف أردوغان اتجاهه، وهو نفس الاتجاه الذي بقي يعلنه شيخه نجم الدين أربكان حتى وافته المنية والذي نؤمن به جميعا، ربما يكون أردوغان قد كشف حقيقة منهجه في الوقت المناسب، ولكن ذلك لن يمر بلا ثمن باهض سيدفعه عاجلا أم آجلا….. يتبع..
د. عبد الرزاق مقري
contact@abderrazakmakri.com